RSS

Tag Archives: مظاهر التغريب

أجوبة أسئلة اللقاء الأول من “حلقة القراءة” : كتاب “تاريخ الفكر الأوروبي الحديث” لرولاند سترومبرج .

سؤال (1) : تكلمت عن صناعة أوعية تحمل العلم في الوطن العربي ، من وجهة نظرك ما السبيل إلى صناعة هذه الأوعية ؟

الجواب : السبيل إلى صناعة أوعية معرفية تستقبل العلوم التجريبية بحالتها الحديثة لتقدمها إلى العقل العربي المعاصر يتلخص في انشغال المجتمع ، لاسيما طليعته من الشباب ، بهذه العلوم فهماً وإدراكاً و تطبيقاً و دراسة ، بجانب وجود مراكز بحثية متخصصة ودوائر فلسفية معنية بفلسفة العلوم واللغة العربية تعمل على تأطير و تأسيس بُنى لغوية واصطلاحية تخدم هذه العلوم و توفر لها التربة اللازمة للنمو في العقل العربي المعاصر ، هذا بالطبع يحتاج لانصراف عدد كبير من الشباب بالكلية إلى مجالات لم يعتدها من قبل : مثل تاريخ الأفكار في العلوم الطبيعية (الفيزياء والرياضايات خصوصاً) و فلسفة العلوم و اللغة العربية واللغات الأجنبية (الإنكليزية والألمانية تحديداً)

سؤال (2) : السؤال عن أخلاقيات العلم ، بمعنى : هل يتعارض الإسلام مع الاكتشافات العلمية ؟ بمعنى آخر هل يتيح الإسلام للعلم التوسع في الاكتشافات أم يتدخل في البحث العلمي العلمي بالحلال الحرام ؟ وإذا كان الأمر كذلك أليس هذا حجراً على العلم في الوقت الذي لا تفعله العلمانية (أمثلة: الاستنساخ والحرب البيولوجية)

الجواب : في الحقيقة ما تسأل عنه يعتبر من عناصر الأوعية المعرفية التي نسعى لصياغتها مستقبلاً ، فلا أجد لدي إجابة لما تسأل عنه الآن ، لكن أتصور أن الإجابة سيتم التوصل إليها من خلال بناء قوي ومتماسك من الأبحاث والدراسات التي تصل إلى صياغة علاقات معرفية مستدامة بين الشريعة الإسلامية و مستويات البحث العلمي وقضاياه المختلفة ، ولكن أتصور أن هذه الأبحاث والدراسات يجب أن تنطلق من مقاصد الشريعة الإسلامية وأصول الدين لا من الأحكام الفرعية ، كما أتصور أنها يجب أن تنطلق من فهم دقيق ومعاصر للبحث العلمي وقضاياه الحالية والمُلِحة… لكن هل هذه التصورات التي أتحدث عنها صحيحة أم لا ؟ لا أحد يستطيع أن يقدم إجابات حاسمة حتى نحصل على هذه البناء القوي المتماسك !

سؤال (3) : ما هي الكتب التي تفيد الباحث في مجال فلسفة العلم والنظريات العلمية الحديثة [للمتخصصين وليس كتب عامة] أي تشمل الرياضايات والفيزياء والبراهين

الجواب : المصادر العلمية الهامة للمتخصصين تتمثل في الأبحاث التي تنشر في الدوريات العلمية المتخصصة ، فينبغي على المتخصص الاطلاع علي هذه الأبحاث قبل أن يقرأها مجمعة وملخصة في الكتب ، فعلى سبيل المثال ينبغي للمهتم بالنظرية النسبية أن يقرأ أبحاث اينشتين الأصلية ، ثم يقرأ التعليقات الفلسفية لسير جيمس جينز و برتراند راسل مثلاً ، ثم يقرأ نقد هيربرت دينجل وردود كارل بوبر عليها ، هذا ليدرك كل ما تم التوصل إليه بشأن النسبية على المستويين الرياضي/الفيزيائي و الفلسفي…وهكذا ، فالموضوع لا يمكن تلخيصه في كتاب واحد ، ربما إذا قرأت الكتاب الذي كتبه أينشتين نفسه أو كتب بيرجمان أو ريندلر…ربما إذا قرأت هذه الكتب ستحصل على صورة مقربة للموضوع لكنها لن تكون صورة “متخصصة” بتفاصيلها ، وهكذا في كل مواضيع الفيزياء النظرية وعلم الكونيات وغيرهما

سؤال (4) : هل الاهتمام بسؤال (كيف) أكثر من سؤال (لماذا) صحيح ؟ ولماذا ؟

الجواب : سؤال (كيف) يبحث عن العلل الجزئية/القاصرة ، وإجابة هذا السؤال تصنع التقدم على المستوى التقني/التطبيقي ، أما سؤال (لماذا) فهو يبحث عن العلل الكلية/المتجاوزة ، وإجابة هذا السؤال تصنع مناهج البحث المعرفي كما تصنع التصورات الإنسانية عن الوجود والكون ، فأرى أن الاحتمام بسؤال (لماذا) يجب أن يقتصر على المستوى الأصولي من فلسفة العلوم ، وهو المستوى الذي يُعني بطرق البحث العلمي ومراتب الحجية المعرفية لنتائج ذلك البحث وما إلى ذلك ، أما أن يتعدى هذا السؤال إلى البحث في العلل المتجاوزة ، فأرى أنه فائدته لن تكون ذات أهمية كبرى للعقل الإسلامي العربي لأنه إما سينتج إجابات تتصادم مع حقائق الوحي ، أو سينتج إجابات جزئية غير مكتملة لن تفيد نظرية المعرفة الإسلامية إفادة ذات أهمية.

سؤال (5) : ما هو دور نظرية التطور في إلحاد العلماء ؟ وهل ستسهم “أسلمة المعرفة” في إعداد أوعية لتلقي العلوم وبدئ نهضة علمية إسلامية ؟

الجواب : خلال القرن العشرين لعبت نظرية التطور دوراً محوراً في نشر وتدعيم ظاهرة الإلحاد العلمي لاسيما في الدوائر العلمية ، حيث توصلت هذه النظرية من خلال استقراء التركيب الحيوي والبناء الفيسيولوجي للكائانات الحية -لاسيما من مملكة الحيوان – إلى وجود اصل مشترك لهذه الكائنات ، ثم وضعت النظرية تصوراً لكيفية نشوء الأنواع المختلفة من هذا الأصل المشترك وذلك من خلال آليتين رئيسيتين (حسبما ترى الداروينية الكلاسيكية) وهما الانتخاب الطبيعي و الطفرات ، وتقدم هذه النظرية تصوراً افتراضياً لوجود أنواع مختلفة من الكائنات بدون الحاجة لتدخل إلهي لخلق هذه الأنواع بشكل مستقل ، ومن هنا جاءت أهميتها للإلحاد الحداثي ، لاسيما مع ظهور نزعات أكثر تطوراً لدى المعاصرين من العلماء [المؤمنين] بهذه النظرية حيث قدمت هذه النزعات تفسيرات جزيئية وجينية للطفرات و الانتخاب الطبيعي.الإشكالية الكبرى التي تواجه نظرية التطور تكمن في الاستقراء الذي اعتمدت عليه هذه النظرية  لإثبات الأصل المشترك للأنواع ، فهو استقراء ناقص ومن ثم فيستحيل أن يقود إلى [حقيقة] كما يدعي [المؤمنون] بهذه النظرية ، والإشكالية الثانية التي تواجه هذه النظرية تكمن في غياب الربط بين (تطور) الأنواع المختلفة من الأصل المشترك و (نشأة) الصل المشترك من العدم ، فالأطروحات التي تتحدث عن تكون “الخلية الأولى” من العدم [قصة البرق و الضغط و الكربون والهيركوجين والأكسجين] تقترب من كونها (أسطورة وثنية) أكثر من كونها “فرضية علمية” ! ، ومن هنا تنشأ الإشكالية الثالثة التي تواجه نظرية التطور وهي افتقارها لأي افتراض يحتوي العلل المتجاوزة (أو الحقائق الكلية) بما يجعلها تصلح كبديل للأديان كما يدعي [المؤمنون] بها ! أما الإشكالية الرابعة التي تواجه نظرية التطور فهو افتقارها لأي ارتباط علمي رصين بأبحاث الفيزياء وعلوم الكونيات وفيزياء الجزيئات والأنموذج الذري القياسي (يمكن مراجعة كتاب مناقضة الفيزياء لنظرية التطور لأورخان محمد علي) ، بما يجعلها كيان [فلسفي] قائم بذاته !هذه أهم افشكاليات النقدية التي عجزت نظرية التطور عن مواجهتها خلال المائة عام المنصرمة ، وهي ذات أفشكاليات التي جعلها تنهار كمحور ارتكاز للإلحاد العلمي خلال العقدين المنصرمين ، ربما بقيت كمحور للإلحاد في الدوائر الشعبية في الغرب والتي تتميز بهشاشة محتواها العلمي والفلسفي ، لكنها بالتأكيد فقدت بريقها العلمي وباتت مجرد [ديانة] شبه-علمية ! الإلحاد العلمي الحداثي يحاول الارتكاز الآن إلى أطروحات فيزياء الجزيئات والفيزياء النظرية وعلم الكونيات ، لكن المشكلة أن الثلاثة فروع تعاني من غشكاليات فلسفية تحول تماماً دون قبولها معرفياً كبديل للدين !أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال ، فأحب ابتداءاً أن أسجل اعتراضي على مصطلح “أسلمة المعرفة” كما وضحت شفهياً في اللقاء ، وأضيف أن الأوعية المعرفية التي قد تحدثت عنها منوط بها إعادة إنتاج الإطار الفلسفي الإسلامي للعلوم الطبيعية بما سيشكل حجر الأساس لإعادة استلهام مفردات الحضارة الإسلامية وبعثها من جديد في الألفية الثالثة.

سؤال (6) : كيف نواجه الإلحاد العلمي الحادث الآن وطرح بعض الكتب لمواجهته ، وسؤال آخر عن أنواع عمليات التعلم في الغرب وعند العرب

الجواب : لاشك أن الإلحاد العلمي منتشر الآن بشكل وبائي في الغرب ، فتدل الإحصائيات والاستبيانات على أن أغلبية الشعوب في العديد من بلدان أوروبا ملحدة ، وكذلك في كبرى دول آسيا مثل كوريا واليابان والصين ، ولكن هل وصل الإلحاد العلمي إلى هذا المستوى في الوطن العربي ؟ لا شك عندي أن الإجابة هي لا ! فالإلحاد العلمي بأبعاده الفلسفية والفكرية لم يزل منحصراً في فئة قليلة للغاية وهامشية في المجتمعات العربية بشكل عام ، هل موجود ؟ نعم لكنه غير مؤثر على المستويات الجماهيرية الفاعلة في توجيه المجتمعات ، لكن آثاره الفكرية في السياسة و الاقتصاد والنظام الأخلاقي للمجتمع مؤثرة بشكل كبير ، أو بمعنى آخر (العلمانية) كإطار تطبيقي للإلحاد العلمي -لاسيما من وجهة النظر الإسلامية- منتشرة ومؤثرة في المجتمعات العربية لا سيما في الشق الإفريقي من هذه المجتمعات ، وكيفية مواجهة ذلك تكون برأيي عن طريق ما أسميه “تأميم الدعوة الإسلامية” أي خروجها من “صندوق” الحزب/التيار/الجماعة إلى آفاق المجتمع وانصهارها في العمل الجماهيري العام ، ما هي آليات ذلك ؟ اقترحت بعض الآليات في مقال بعنوان “تأميم الحركة الإصلاحية الإسلامية” نشر في فعاليات المركز العربي للدراسات والأبحاث ، لكن لا أملك الجزم بصحة هذه المقترحات الأولية ، والباب مفتوح للمزيد من الأطروحات والرؤى لإعادة الريادة افصلاحية للمجتمع المسلم بعدما سلبته الكيانات “الصندوقية” المنتسبة للدعوة الإسلامية الفاعلية والحركة وريادة الإصلاح.أما بالنسبة لأنواع عمليات التعلم في الغرب وعند العرب ، فما فهمته أن السؤال متعلق بتقنية التعليم والتعلم ، وهذا من فروع العلوم التي تخلف فيها العرب أشد تخلف ، وهذا واضح تماماً من المنتج النهائي العلمي لدى الغرب والعرب على وجه المقارنة ، وربما كان من المناسب أن أترك إجابة هذا السؤال لمن كان متخصصاً في هذا الفرع.

سؤال (7) : إذا كان الإطار العلمي الغربي إلحادياً ، فما هو معيار القبول والرفض للنظريات القادمة منه ؟ هل هو الفلسفة العامة للنظرية ؟ أم وجود النص ؟

الجواب : لا يمكن التعميم هكذا ، فلا يصح أن نقول أن الإطار العلمي الغربي إلحادي ، بل الحاصل أن الغرب يسعى لمد وتوسيع الإطار المعرفي للعلوم التجريبية ليجعلها قادرة – أو هكذا يدعي فلاسفة العلوم – على تقديم إجابات للأسئلة الكبرى التي تدور في العقل الإنساني منذ آلاف السنين بحيث تكون هذه الإجابات بديلاً متكاملاً عن الدين ، وهذا هو وجه النزاع كما أراه بين فلسفة العلوم المعاصرة وأصول الدين ، فهذا المد والتوسيع للعلم التجريبي يفتقر لوجود أصول مستقلة وموضوعية للعلوم التجريبية ، وهذه الأصول غير موجودة ، فأصول العلوم التجريبية هي في حقيقتها أصول [ميتافيزيقية] افتراضية ، مثل اطراد الحوادث ، ودلالة الاستقراء الناقص ، والسببية المتناهية ، وغير ذلك ، بينما أصول الدين أصول موضوعية مستقلة : الخبر الصادق و الخطاب العقلي المكتمل ، وهذا يجعل العلوم الطبيعية تعجز عن الامتداد إلى المناطق التي يغطيها الدين ، وهي مناطق الحقائق الكلية و العلل المتجاوزة. في نفس الوقت فإن العلوم الطبيعية تحمل من التفاصيل ما يعجز الدين عن الإجابة عنه ، فالتجربة والمشاهدة الحسية تجيب عن أسئلة تفصيلية تركها خطاب الوحي للإنسان مثل كيفية إنتاج الطاقة من الرياح ، و معدلات انتشار الأمراض الوبائية …إلخ.أما معايير النظر في الإنتاج العلمي الغربي فهي تتعلق بوجود (الأوعية المعرفية) التي تحدثت عن افتقارنا لها حالياً ، فنحن لا نمتلك اي وعاء معرفي مستقل و مستدام نستطيع من خلاله أن نزن أي نظرية علمية كماً وكيفاً أو أن نحدد معيار مناسبتها لنا ونفعها لمشاكلنا كمسلمين. سؤال (8) : كيف يمكن استيعاب العلوم الغربية داخل المحتوى العربي ؟ أو / كيف يمكن تعلمها بلغتها الأصلية دون التلبس بتبعاتها الثقافية ؟

الجواب : هذا يتوقف على وجود (أوعية معرفية) تمكننا من استيعاب هذه العلوم أساساً ، ثم وجود (حراسة ثقافية/إسلامية) لدى المجتمع تمنع التأثر بالمحتوى الثقافي للعلوم الغربية ، لكن الذي حدث خلال المائتي عام السابقة أننا لم نمتلك هذه الأوعية ، ولا تلك الثقافة ، فلم نستطع الاستفادة من العلوم التجريبية ومنجزاتها الغربية الحديثة ، وتأثرنا بالمحتوى الثقافي الغربي فتمت علمنة وتغريب للمجتمعات العربية ، وتضاءل المحتوى الإسلامي في المجتمع إلى أقصى صورة ممكنة ! وربما تحدثنا بتفصيل أكثر عن هذه القضية خلال مناقشة كتاب ألبرت حوراني في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

سؤال (9) : هل توجد كتب تتكلم عن تاريخ العلوم العربية ؟ وما هي كتب المستوى الأول لدراسة تاريخ العلوم الغربية ؟ وكيف يمكن تفعيل نوادي العلوم ؟

الجواب : كتب الأستاذ رشدي راشد مناسبة لعرض تاريخ العلوم الطبيعية عند العرب ، وكتب المستوى الأول لدراسة تاريخ العلوم الغربية هي : “تطور الأفكار في الفيزياء” تأليف ليوبولد إنفلد وألبرت أينشتين ،  كتاب “الأسس الفلسفية للفيزياء” تأليف رودلف كارناب ، وكتاب “فلسفة الفيزياء” تأليف فيليب فرانك

سؤال (10) : ما هي مراتب الحجية المعرفية للعلوم الطبيعية ؟

الجواب : هذا السؤال بالغ الأهمية ، فهناك مراتب متفاوتة للحجية المعرفية للمعلومات التي يتم التوصل إليها في العلوم الطبيعية ، كل منها يتعلق بطريقة من طريق الاستدلال العلمي ، فأعلى مرتبة هي مرتبة الحقائق وهي المعلومات التي يتم الاستدلال عليها بطريق الاستنباط ، فعلى سبيل المثال هناك قاعدة تقول بأن “حاسة النظر تدل على الشكل الحقيقي للأشياء” فإذا رأى الإنسان شجرة بجوار جبل ، فإنه يستنبط من هذه القاعدة حقيقة تقول أن : “الشجرة أقل ارتفاعاً من الجبل” ومرتبة هذه المعلومة “حقيقة” ونوعها أنها “وصف كيفي” فإذا قام بقياس فرق الارتفاع بينهما وحدده بألف متر مثلاً ، فسيقول أن “الشجرة أقل ارتفاعاً من الجبل بمقدار ألف متر” فأصبح نوع هذه الحقيقة “وصف كيفي مقترن بقياس كمي” ، أما المرتبة التي تليها فهي مرتبة النظرية ، وهي المعلومة التي يستدل عليها بطريق الاستقراء ، فإذا رأى الإنسان بجعة بيضاء ، ثم تكررت هذه المشاهدة عدد كبير من المرات ، واشتملت على أماكن مختلفة وأزمنة متفاوتة ، فيمكنه التوصل إلى “نظرية” تقول : “البجع لونه أبيض” وتظل صحة هذه النظرية محل تساؤل وكلما زاد عدد المشاهدات المؤيدة لها زادت صحة النظرية ، لكنها لا تقترب أبداً من مرتبة “الحقيقة” التي عرفت بالاستنباط. هذا بالطبع يتقاطع مع نظرية بوبر في “معيار قابلية الخطأ” لكن هذا التقاطع لا يتسع له المقام هنا ، وهناك مرتبة “التفسير العلمي” الذي يبنى على الاستقراء كذلك لكن يتداخل مع الاستقراء “أطروحة منطقية” أو “إثبات رياضي” يسعى لتقديم تفسير منطقي لحدوث الظاهرة التي تم استقراءها ، وينبغي أن يستند التفسير العلمي إلى بعض المشاهدات المستقلة كذلك ، لاسيما في الفيزياء ، وتبقى مرتبة “الفرضية” وهي أقل مرتبة من مراتب الحجية المعرفية وهي “أطروحة منطقية” تفتقر للاستقراء التجريبي لكنها تستند إلى إثبات رياضي محكم أو تحليل منطقي رصين ، مثل فرضية الأكوان المتعددة أو فرضية الأوتار الفائقة أو غير ذلك من الفرضيات التي تسعى إلى إيجاد بدائل فلسفية للحقائق الكلية التي يحتويها الدين من خلال إطار “علمي” !

هذه هي مراتب الحجية المعرفية الرئيسية في العلوم الطبيعية ، وتتراوح منجزات العلوم بينها وبين مراتبها الفرعية ، كما تتراوح معايير تطبيقها من مدرسة إلى أخرى من مدارس فلسفة العلوم ، ولهذا تفصيل آخر.

سؤال (11) : أين يقع العلماء المسلمون في تاريخ العلوم ؟ مثلاً اين يقع بديع الزمان الجزري مؤسس علم الميكانيكا ؟

الجواب : الإجابة على هذا السؤال تتوقف على تعريفنا لــ(تاريخ) العلوم ، فإذا كان تعريفنا للتاريخ على أنه سجل زمني للحضارة الإنسانية ، فسنجد أن دور العلماء المسلمين كان محدوداً للغاية ، بالنسبة للمظاهر ومنجزات العلوم في الحضارة المعاصرة ، بينما كان دورهم كبيراً إبان حقبة الحضارة الإسلامية ، وهكذا بالنسبة للإغريق و الفراعنة وسائر الحضارات ، هذا إن سلمنا بكون الجزري مؤسس الميكانيكا مثلاً ، أما إن كنا نرى التاريخ هو الحضارة ذاتها ، مثلما فعل سترومبرج في كتابه مثلاً – وهذا ما لا أتفق معه كثيراً – فسنجد أن دور العلماء المسلمين كان كبيراً مثل غيرهم ، مثل الإغريق والفراعنة وعلماء عصر النهضة والتنوير والعصر الحديث ! الخلاصة من وجهة نظري : لايوجد ميزة (استثنائية) تميز العلماء المسلمين عن غيرهم من العلماء الطبيعيين في سائر الحضارات الإنسانية المختلفة ! لكن هل حدثت سرقات علمية خلال عصر النهضة الأوروبية لمنجزات العلماء المسلمين وتمت نسبتها إلى علماء عصر النهضة ؟ نعم ، هذا ثبت تاريخياً ، لكن كذلك ما تم بناؤه من منجزات علمية في أوروبا فيما بعد أكبر بكثير مما تم بناؤه من منجزات علمية في الوطن العربي ، أو العالم الإسلامي بشكل عام !

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , ,

البحث عن الطقس الديني

الإنسان الشرقي يبحث بطبيعته عن “الطقس الديني” ، و العربيْ لا يختلف في ذلك كثيراً ، لكن غاية الإسلام أبعد ما تكون عن أن تقتصر على “الطقس الديني” و عن أن تتمحور حولها ، بل غاية الإسلام تمتد لأبعد من ذلك بكثير لتصل معاني التوحيد و الاستجابة لرسائل الأنبياء إلى مركز الوعي الإنساني و سيرورته المعرفية الممتدة إلى نهاية التاريخ.

لذلك امتد الإسلام إلى ماوراء الخطاب الإيماني الروحي لكي يخاطب العقل و المنطق الفطري ، فصنع بذلك منهجاً متكاملاً للاحتجاج و التفسير لكي يواجه المسلم به عالمه ، بوعي سليم و معرفة متجددة ، و لكي ينظر من خلاله إلى معطيات الطبيعة و يقيّم إدراكه لها.

أما الاقتصار على “الطقس الديني” فغايته أن يوفر للاشعور إحساساً بالأمن و تبريراً لاستمرار حالة السكون التي تستسيغها النفس ، و غاية ذلك الاقتصار أن يخدّر المنطق الفطري ويعطل نقده للواقع من حول الإنسان..

والدعوة الإسلامية التي مارستها التيارات الإسلامية المعاصرة اقتربت من أن تقصر غايتها على الطقس الديني ، لذلك لم تنجح في سبر أغوار الأزمة التاريخية التي تعيشها مجتمعاتنا المسلمة ، ولم تنجح في تضميد جراح الجماهير و رأب الصدع الذي خلفه العصر الكولونيالي بين الجماهير و التراث الإسلامي.

والحل أن يغادر العقلاء هذه التيارات ، و ينفضوها من جذورها ، و تعود الدعوة الإسلامية إلى قلب المجتمع كما كانت في عهد النبي صلوات الله وسلامه عليه ، و تعود هموم الجماهير لتصبح الاهتمام الرئيس لتلك الدعوة بدلاً من هموم السلطة و السياسة والاستتباع و الجاه…

 

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

قضية الإتقان !

الفارق المادي بين الشباب العربي و الشباب الغربي يمكن تلخيصه في “الإتقان” ! فبينما يتربى الشاب في أوروبا وأمريكا على الإتقان في كل شئ ، بدئاً من البيت و المدرسة إلى الشارع و المتحف و المصنع و الزرعة و المسرح و السينما ، يتربى الشاب العربي على الإساءة في نفس الأشياء !
الاثنان غارقان في الشهوات ، نعم صحيح ، لكن الشاب الغربي تضع له طبيعة الحياة و متطلباتها العملية قيود وقتية على هذه الشهوات فلا تجعله يستصحبها إلى أوقات العمل و التعليم ، الأوقات التي ينشغل فيها بالإتقان ! أما الشاب العربي فهذه الشهوات تمثل كل تفكيره و وعيه و واقعه ، ولا تمثل له قضية الإتقان أي أهمية في وعيه و تفكيره.

إن إصلاح المجتمعات العربية لا يمكن أن يتم بالاقتصار على احياء مفهوم التدين اللازم في نفوس الشباب ، وحثهم على التشبه المحض بالأجيال الأولى للأمة الإسلامية ! هناك حلقة مفقودة بين مفهوم التدين في هذه الصورة و مفهوم الإتقان المعاصر بشموليته ، هناك حلقة مفقودة بين الالتزام بالصلاة و الصوم و تجنب المحرمات و بين الشغف بالعلم و التعلم و الرغبة الحقيقية الأصلية في الإبداع ! هناك حلقة مفقودة بين مفاهيم الصدقة و الزكاة و الإحسان إلى الناس و الفقراء و بين إدراك ضرورة امتلاك أحدث أدوات الصناعة و فهم و تطبيق أحدث النظريات الاقتصادية و الإدارية ! هناك حلقة مفقودة بين التذكرة بالخصائص المتجاوزة للضمير المسلم (الحساب – الجنة – النار – الخلود) وبين مظاهر الحياة اليومية في الشارع و المكتب و المدرسة و المصنع ! هناك حلقة مفقودة بين دراسة الفقه و استيعاب أصوله ومذاهبه وبين إدراك فروض الكفايات المختلة في المجتمعات المسلمة و التي بسبب اختلالها يستعبدنا الغرب بكل مظاهر الحياة و الحضارة ! هناك حلقة مفقودة بين فهم التاريخ الإسلامي و إدراك أحكام السياسة الشرعية في زمن الخلافة وبين القدرة على التعامل مع الواقع العالمي الذي تحكمه الخلافة الصهيوأمريكية بالاقتصاد و العلم و الآلة العسكرية الجبارة !

إن انعدام الإتقان الذي نراه في مجتمعاتنا يظهر بوضوح في كل شرائح المجتمع ، المتدين و غير المتدين على حد سواء ، الغني و الفقير على حد سواء ، الموظف و التاجر على حد سواء ، المسئول الكبير و الموظف البسيط على حد سواء !

الخلل ليس في شخص و لا في طبقة ولا في مجموعة ، الخلل في العقول و المفاهيم و الوعي و الإدراك ، الخلل في الجو العام و المناخ الفكري الفاسد المُفسد !

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

عن الموقف الأمريكي من التطورات السياسية في مصر

بعد 11/9 كرست الولايات المتحدة جهود كبيرة لدراسة كل التيارات الإسلامية على مستوى العالم ، وخرجت من هذه الدراسات بنتيجة صلبة للغاية ، تؤيدها الاحصائيات والاستبيانات والتحقيقات الاستخباراتية و الآراء الأكاديمية المتخصصة وغيرها من وسائل سبر التيارات الإسلامية

هذه النتيجة هي وضع معايير لتقييم أو “تصنيف” التيارات الإسلامية من حيث خطورتها على الغرب ، أهم هذه المعايير هي قبول الديمقراطية والاعتراف بالنظام العالمي وشرعيته و مؤسساته ، فالحركات والتيارات الإسلامية التي ستنجح في تحقيق هذه المعايير سياسياً أكدت الدراسات أنها ستكون خاضعة للنظام العالمي على كل المستويات أثناء حكمها لأي دولة في الشرق الأوسط ، وبالتالي فلن تشكل أي خطورة علي الغرب الصهيوأمريكي ، أما التيارات التي ستفشل في تحقيق هذه المعايير على المستوى السياسي فإنها ستشكل بذلك خطراً على النظام العالمي ومن ثم فسيتم التعامل معها طبقاً لمقدار ذلك الخطر

الذي حدث في مصر أن كل الحركات والتيارات الإسلامية التي خاضت غمار العمل السياسي العام بعد سقوط نظام مبارك قد نجحت – بجدارة – في تحقيق معايير “الأمان” بالنسبة للولايات المتحدة والغرب بشكل عام ، فالكل وضع كل أحلامه في سلة الديمقراطية ، والكل أجمع على شرعية النظام العالمي و مؤسساته وآلياته السياسية ، و توج الإسلاميون الثورة بوضع دستور علماني/ليبرالي هو الأول من نوعه في تاريخ مصر الذي يضمن قدراً هائلاً من الحريات الفردية ويعترف بأهم عناصر فلسفة الإنسانية الغربية ، ومنذ أن صعد الإسلاميون إلى الحكم في مصر وهم يتعاونون بشكل كامل مع صندوق النقد والبنك الدوليين الذين يمثلان أهم أجهزة التركيع الاقتصادي التي يمتلكها النظام العالمي

وبالتالي فتحول المشهد السياسي المصري بالنسبة للولايات المتحدة من درجة [الخطورة] إلى درجة [الأمان] ، فالفائز في النهاية سيلعب داخل ملاعب النظام العالمي ويتحاكم إلي مؤسساته ومواثيقه وقوانينه ، ومن ثم اكتفت الولايات المتحدة بالمشاهدة وتقديم العون من حين إلى آخر إلى حلافائها القدامى ، وأحياناً أخرى إلي الحلفاء الجدد !

الولايات المتحدة الآن تنظر إلى الأحداث بنظرة الفائز ، فإن نجح الإسلاميون في إدراة الأزمة والانتقال بمصر عبر هذه الفترة الحرجة فسيصب هذا مباشرة في مصلحة الاستقرار في المنطقة وهو ما تسعى إليه أمريكا وإسرائيل ، كما أن ذلك سيحول الصراع بين أمريكا و التيارات الأصولية [الرافضة للديمقراطية والمعادية للنظام العالمي] إلي الصراع مع تيارات [الإسلام الديمقراطي] الموجودة في سدة الحكم ، وهذا بالتالي سيلقي بالكثير من الشوائب ويحدث قدراً كبيراً من التشوهات في الوعي الإسلامي المعاصر وهو ما تنشده أمريكا بالطبع ، أما إن فشل الإسلاميون في إدارة الأزمة فستدفع أمريكا بحلفائها العلمانيين ليقوموا بهذا الدور بعد أن يخسر الإسلاميون التعاطف الجماهيري الذي ارتكنوا عليه طيلة الفترة الماضية ، وتكون الولايات المتحدة قد حققت هدفاً كبيراً بإزالتها للتعاطف الجماهيري مع الفكرة الإسلامية

 

الأوسمة: , , , , , , ,

الثورة ومناهج التغيير

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

ملاحظات علي الدستور

فيما يلي بعض الملاحظات عن الدستور الجديد ووجهة نظري في نقده ، كنت قد كتبتها علي تويتر ثم رأيت أن أجمعها وأرتبها هنا ، وهي تبدأ ببعض التعريفات والمفاهيم التي تؤسس لما سيأتي من نقد

أقول بعون الله أن العلمانية هي نسق فلسفي ينطلق من إنكار سلطة الخالق علي البشر ومن ثم هدم فكرة اتخاذ شرائع الأديان كأساس للنظم السياسية ، وإنكار سلطة الخالق علي البشر ينبع من فلسفة الإنسانية التي تدور حول تأليه الجنس البشري والإيمان بحتمية وصوله إلي سيادة الكون ، وعلي ذلك فإن العلمانية وفلسفة الإنسانية ترفضان تقييد حرية الفعل البشري تحت أي مسمي “إلهي” أو “ديني” ولا تعترفان سوي بالقيود المادية K التي يفترض بها أن تنظم السعي الإنساني لسيادة الكون والتحكم فيه ، ومن هنا تلتقي بالليبرالية التي تضع رغبات الإنسان في مقدمة مقومات الحضارة.

وفي هذا الإطار تأتي الديمقراطية كنظام سياسي يعكس أولاً سيادة البشر علي الكون ويوفر آليات لتقرير هذه القيود المادية وحماية رغبات الإنسان.

وتعكس مصطلحات “حكم الأغلبية” و “التشريع” و “حماية الحريات” الثلاثة مبادئ السابقة الذكر علي الترتيب ، ويأتي مبدأ المساواة الإنسانية كأحد لوازم الثلاثة أنساق: العلمانية ، فلسفة الإنسانية ، الديمقراطية، وهي تساوي بين كل أفراد الجنس البشري باستثناء بعض الفوارق المادية المصطنعة كالسن والوظيفة وما إلي ذلك.


إلي هنا انتهيت من تقرير المبادئ ، وأبدأ في نقد الدستور فأقول وبالله التوفيق أن الديباجة قد قررت مبادئ علمانية أساسية منها علي سبيل المثال وحدة الكفاح الإنساني ، والمساواة بين أهداف ذلك الكفاح لدي البشر كلهم ، والاعتراف بحاكمية الأغلبية ، وأهم عناصر فلسفة الإنسانية كالمساواة وقررت أهداف الكفاح الإنساني من وجهة النظر العلمانية ، وقررت بألفاظ مطلقة غير مقيدة “حماية الحريات” التي هي أهم عناصر الليبرالية.

ثم أتي الباب الأول ليؤكد علي هذه المبادئ ، فأكد علي المساواة المستمدة من فلسفة الإنسانية ، واتخاذ “حكم الأغلبية” ومن ثم “الديمقراطية” أساسين لنظام الحكم في الدولة ، وفي تجاهلٍ عجيب لأهم أزمة تعيشها الأمة الإسلامية اعترف الدستور بشريعة اليهود دون أي تفصيل للفرق بينها وبين الصهيونية مع إغفال حقيقة أن الأغلبية الساحقة من اليهود يدينون بالصهيونية ويتحاكمون للتلمود ، وكل ذلك بدون أي مبرر سياسي فاليهود في مصر عددهم 80 كل منهم عنده جنسية أخري !

ويفيض الباب الأول بالكثيرمن المصطلحات العلمانية/الليبرالية الشائكة بدون أي تفصيل أو توضيح لها مثل “المساواة” و “الحرية” و”الثقافة” بينما يخلو من أي بيان أو تقييد لمصادر التشريع الأخري التي تأتي بجانب “مبادئ الشريعة” ولا أي تفصيل لمعني وحدود “العدل” في ظل وجود مصادر أخري للتشريع ، ويختتم الباب الثاني بفصل المقومات الاقتصادية الذي يتجاهل تماماًواقع الاقتصاد العالمي الربوي ولايقدم أي تعريف لماهية “العدالة الاجتماعية” في إطار الواقع الاقتصادي العالمي والتحديات الاقتصادية التي تعيشها مصر.

أما الباب الثاني الذي يتحدث عن الحقوق والحريات فقد خلا تماماً من أي تعريف دقيق لمصطلح “الحرية الشخصية” وأصّل مجدداً للمساواة الإنسانية ، واختص في ذلك التأصيل بالتركيز علي المساواة الإنسانية أمام القانون ، وهذا مما يحتاج التوقف عنده والاستطراد فيه ، فالشريعة الإسلامية تمتلأ بأحكام مستنبطة من النصوص القطعية الثبوت والدلالة وغيرها من الإجماع تميز بين المسلمين وغيرهم في قضايا كثيرة ، منها علي سبيل المثال المنع من قبول شهادة الكافر ، وعدم المساواة في الدماء ، والمنع من توليه مناصب القضاء والولاية وغير ذلك كثير، فالتشديد علي التطبيق القانوني لمبدأ المساواة المستقي من فلسفة الإنسانية يمنع من تطبيق تلك الأحكام كلها ، وإن قيل مادة الشريعة تسمح بذلك أجيب علي ذلك بأن مادة الشريعة تسمح بوجود مصادر أخري للتشريع غيرها ، وبذلك فهي لا تمنع الجمع بين الشريعة وما يناقضها ، وهذا أحد أوجه التناقض في الدستور ، هذا بجانب أن مواد المساواة المستقاة من فلسفة الإنسانية مقررة في الديباجة التي اختتمت بالنص علي أن ما ورد بها “ثوابت” بخلاف الشريعة التي لم يأت لها ذكر في تلك الديباجة التي هي في حقيقتها “مبادئ فوق دستورية” وفي معظمها منبثقة من وثقة الأزهر المشؤومة.

أما الفصل الثاني من الباب الثاني فهو كارثيّ بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ ! فقد كفل حرية الرأي والتعبير ولم يقرر لهما حدوداً واضحة ، كما أنه قد أفرد مادة تقرر حماية “حرية الإبداع” ولم يضع أي تعريف يحدد ماهية ذلك الإبداع الذي تلتزم الدولة بحمايته وحماية أصحابه.

وفي نفس الوقت سلب الدولة حق الرقابة علي الصحف والإعلام إلا في زمن الحرب ، وبذلك أكد مجدداً علي المنظور العلماني/الليبرالي للحريات.

وفي الفصل الرابع من الباب الثاني أكد الدستور مجدداً علي عدم جواز أن يقيد أي قانون “الحقوق والحريات بما يمس جوهرها” بما يرسخ ما تقدم ذكره

أما الباب الثالث فقد أخضع سلطة التشريع لحكم الأغلبية بما يناقض مفهوم الشوري المقيدة بأهل الحل والعقد تأكيداً لمفاهيم المساواة العلمانية

وأصّل الباب الثالث أيضاً لمبدأ تداول السلطة الذي هو من أهم مبادئ الديمقراطية والذي يضمن استمرارالنسق الإنساني متجسداً في حاكمية الأغلبية

أما الفصل الخامس فقد عطل واحداً من أهم جوانب الشريعة الإسلامية، فقد استقل بما يختص الأمن القومي والدفاع عن الشريعة وعلمائها وأهمل تماماً حقيقة أن الشريعة من أهم مقاصدها تقنين الأعمال العسكرية والحكم علي مآلاتها ، لاسيما أن تلك الأعمال تمس حياة المسلمين وأموالهم وأعراضهم ، فلم تتضمن عضوية مجلس الأمن القومي ومجلس الدفاع الوطني علماء الشريعة المختصين بدراسة قرارات الأعمال العسكرية وبيان حكم الشرع فيها

هذه هي أهم القضايا التي أراها كافية لنقد الدستور ومقاطعته ، بخلاف عدد من القضايا الأخري الفرعية التي ربما لا تتعلق بالشرع مباشرة ، فمواد الدستور متناقضة ، والمستقر منها يعكس النسق الفلسفي الإنساني الذي هو أساس العلمانية وحاكمية الديمقراطية التي هي آلتها السياسية


والله أعلي وأعلم ، والحمد لله رب العالمين

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

*مدخل إلي فلسفة العلوم : النشأة التاريخية وإشكاليات الواقع (2)

(تصميم مركز نماء للبحوث والدراسات)

تعرضنا في المقال السابق لأهم الأسئلة التي تسعي فلسفة العلوم للإجابة عليها ، وتوقفنا عند السؤال الثاني الذي يتعلق بحدود الفروض الصحيحة للعلم التجريبي وذلك لما طرحنا “الحتمية” كأحد الفروض الأولية[i] التي قامت عليها الفلسفة التجريبية[ii] ووضحنا كيف هدمت المدارس الحديثة لفلسفة العلوم كالوضعية المنطقية[iii] والعقلية النقدية[iv] مبدأ الحتمية ، وجدير بالذكر أن هناك خلط شائع بين مبدأي السببية[v] والحتمية لا سيما عند غير المشتغلين بالعلوم الطبيعية أو المغرقين في الفسلفة البحتة ، والحقيقة أن ثمة علاقة قوية بين المبدأين لكن بالتأكيد كل منهما مستقل تماماً عن الآخر ، فالسببية تقضي بأن كل حدث له أسباب أدت إلي حدوثه ، بينما الحتمية تقضي بأن تكرار السبب لابد أن يؤدي إلي نفس الحدث في كل مرة ولا يمكن أن يؤدي إلي حدث مختلف بما يجعل العلاقة الرياضية بين السبب وأثره علاقة حتمية دائماً ، والحقيقة أن السببية في حد ذاتها ضرورية منطقياً ، ولم يكن هناك أي إشكال علمي أو فلسفي معتبر في إثباتها منطقياً ورياضياً باستثناء بعض التحديات التي فرضتها ميكانيكا الكم أمام هذا المبدأ ، أما الحتمية فقد تعرضت للعديد من الهزائم والنكبات التي أدت إلي سقوطها كأحد الفروض الأولية للعلوم الطبيعية كما أوضحنا في المقال السابق ، وذلك الخلط بين المبدئين هو الذي يجعل بعضهم يشنعون علي أئمة الإسلام بأنهم قد رفضوا السببية بما يجعلهم مخرفين أو مهرطقين في نظر هؤلاء ، إلا أنه في حقيقة الأمر فإن هؤلاء الأئمة – كحجة الإسلام أبي حامد الغزالي وشيخ الإسلام الهروي الأنصاري وغيرهما – قد رفضوا الحتمية مع إقرارهم للسببية ، بما جعلهم يسبقون الحضارة الغربية بأكثر من عشرة قرون من الزمان. إن وجود السببية لا يعني ضرورة الإقرار بالحتمية. هذا ما استقر عليه جمهور علماء المسلمين منذ قرون طويلة وما اتفق عليه علماء الفيزياء وسائر العلوم الطبيعية في الغرب خلال القرن الماضي.

 ماهي الحدود الفاصلة بين الحقائق والنظريات والفرضيات العلمية ؟

 كان هذا السؤال الثالث الذي تسعي فلسفة العلوم للإجابة عليه ، وفي حقيقة الأمر فإن الإجابة علي هذا السؤال تمس عامة الناس في حياتهم اليومية ، إذ أن وسائل الإعلام الحديثة تقدم محتوي لا بأس من العلوم الشعبية[vi] المبسطة التي يتلقاها عامة الناس بشغف واهتمام كبير بما يجعل ذلك المحتوي يؤثر تأثيراً ملحوظاً في صناعة وتوجيه الرأي العام. ربما كانت برامج العلوم الشعبية شحيحة للغاية في الوطن العربي باستثناء بعض الفضائيات الغربية المترجمة ، لكن في الغرب تعج الفضائيات ووسائل الإعلام المقروءة والسيبرية بمواد العلوم الشعبية باللغات المختلفة ، ويتسم محتوي تلك المواد -بشكل عام- بذوبان الحواجز بين مراتب المعرفة العلمية المختلفة ، فالرغبة في تقديم عنصر الإثارة وتحقيق نسبة مشاهدة عالية تجعل الافتراضات الرياضية المبدئية تصور علي أنها نظريات علمية رصينة ، وتجعل النظريات التي لاتزال في طور الصياغة والتدقيق تصور علي أنها حقائق علمية لا شك فيها ، ولا يستطيع المشاهد أن يدرك ذلك إلا إذا كان من المشتغلين بالعلوم وعلي دراية كافية بفلسفة العلوم وقواعد ومنهج البحث العلمي ، أما المشاهد العادي فينبهر بالمادة الإعلامية المزخرفة بعناصر الإبهار وربما الدراما والتي تختلط فيها النظريات العلمية الرصينة بالافتراضات الفلسفية البحتة والآمال العلمية الحالمة مثل الفيلم “العلمي” الذي قدمته ناشيونال جيوجرافيك عن إمكانية ومستقبل السفر في الزمن[vii] والذي خلطت فيه النظرية النسبية التي استقر علي صحتها علماء الفيزياء منذ أكثر من نصف قرن ، بعدد من الافتراضات عن وجود “الثقوب الدودية”[viii] التي تعبر نسيج الزمان-مكان[ix] وعدد آخر من الأحلام العلمية عن الإمكانية التقنية لطي الزمان-مكان باستخدام الجاذبية والسفر بسرعة الضوء ! فالمشاهد العادي لن يستطيع التفرقة بين كلام البروفيسور ستيفن هوكينج الرصين عن “علاقة الجاذبية بنسيج الزمان-مكان” وكلام المُعلق التابع لطاقم الفيلم عن “أن السفر في آلة الزمن هو أمر ممكن مستقبلاً” ! والأمثلة علي الخلط البائس بين درجات المعرفة في الإعلام عسيرة علي الإحصاء ، مابين السفر في الزمن إلي اكتشاف إكسير الحياة[x] إلي وجود الأكوان المتوازية[xi] !

إن تأثر المسلمين بهذا الخلط بين مراتب المعرفة العلمية هو تأثرٌ بالغ الخطورة إذ أن الفرضيات العلمية التي لاتزال في طور التكوين والنقد تقدم إلي جماهير المسلمين علي أنها حقائق علمية بل وربما يثار حولها جدل كبير من حيث توافقها مع نصوص القرآن والسنة أو عدمه ، بينما في حقيقة الأمر أن ذلك الجدل زائف من كل وجه ، فالجدوي المعرفية للاستدلال بمثل هذه الافتراضات “الفلسفية” منعدمة ، فإذا سلمنا جدلاً بوجود أدني قدر من الجدوي لمثل هذا الاستدلال فنجد أن التعارض بين مكتسبات العلوم التجريبية والحقائق العليا التي أتي بها الوحي الإلهي هو تعارض مستحيل ، إذا أن تلك المكتسبات قد تم التوصل إليها بطريق الحس والمشاهدة والاستنباط ، بينما تم التوصل إلي الحقائق العليا بطريق الوحي الإلهي ، ومن ثم فإن الإطار المعرفي للمعارف العلمية هو إطار مختلف جملة وتفصيلاً عن الإطار المعرفي لحقائق الوحي الإلهي ، فكما أن الاستدلال علي صحة أحاديث البخاري بطريق التجربة المعملية مستحيل ، فإن التعارض بين فرضية الأكوان المتعددة[xii] وبين أركان الإيمان أو إثبات وجود الله هو تعارض مستحيل ! ولكي يمكن تقديم القارئ المسلم العربي إلي حقيقة هذه الإشكالية الفكرية الخطيرة نستعرض في هذا المقال مراتب المعرفة العلمية والحدود التي تفصل كل منها عن الأخري ، وذلك سعياً لبيان دور فلسفة العلوم في الإجابة علي هذا السؤال.

يمكن تعريف الحقيقة العلمية[xiii] مبدئياً بأنها “مشاهدة موضوعية وقابلة للتحقق”[xiv] وهذا التعريف لأعلي مراتب المعرفة العلمية ينطبق علي قدر ضئيل من مكتسبات العلوم التجريبية ، إذ أن مقتضي ذلك التعريف أن يكون إدراك الحقيقة العلمية راجع لإدراكها كلها أو جزء منها بإحدي الحواس البشرية الخمسة ، أما إذا كان ذلك من غير الممكن ، وكان من المتاح مشاهدة أحد آثار الظاهرة محل الدراسة فقط فيظل ناتج المشاهدة مندرجاً تحت مرتبة “الحقيقة العلمية” إلا أن هناك بعض الإشكاليات التي سنتعرض لها فيما بعد تختص بهذا النوع من الحقائق العلمية. إذن عندما يشاهد المرء كوباً من الماء تحت الميكرسكوب الضوئي فيري بعض الكائنات الدقيقة ، فإن وجود هذه الكائنات في ذلك الماء يعد من باب الحقائق العلمية ، وعندما يشاهد المرء من فوق جبل مرتفع دائرة الأفق فيستنتج أن الأرض كروية لأن الأفق الذي هو مقطع من الأرض دائري ، تكون هذه حقيقة علمية ، وعندما يعجز الإنسان عن مشاهدة الفوتون[xv] لكنه يشاهد تردده الموجي – الذي يمثل أحد آثاره- علي شاشة أحد الأجهزة المعدة لذلك الغرض فإن وجود الفوتونات يعد حقيقة علمية.

هذا عن الحقائق ، ماذا عن النظريات والافتراضات العلمية ؟ إن النظريات والافتراضات العلمية هي أطروحات تسعي لتفسير وجود الحقائق العلمية وتفاعلها مع بعضها البعض ، فالنظريات والافتراضات ليست في ذاتها إخباراً عن “الحقيقة” بل هي مجرد محاولة لتفسير حقيقة علمية من وجهة نظر صاحب النظرية أو واضع الفرضية. من هنا يتضح لنا البون المعرفي الشاسع بين الحقائق العلمية والنظريات والافتراضات ، ففي حقيقة الأمر لا يفترض أبداً بالحقائق العلمية أن تتغير أو تتبدل ، بينما يفترض بالنظريات والافتراضات أن تتغير وتتبدل بشكل مستمر ذلك لأنها تعكس جهود ورؤي العلماء والباحثين لتفسير الظواهر الكونية التي يتم اكتشافها بمعايير الاستدلال علي الحقائق العلمية ، كذلك فمن الفروق الأساسية بين الحقائق والنظريات أو الفرضيات العلمية هو قابلية التحقق[xvi] ، فالحقائق العلمية تتوافر فيها قابلية التحقق بشكل جازم ونهائي ، بينما تسعي النظريات والفرضيات دائماً لتوفير نوع من قابلية التحقق يزيد من نسبة التأكد المتعلقة بكل نظرية أو فرضية علمية ، فقابلية التأكد للنظريات والفرضيات لا ترتقي أبداً لقابلية التأكد للحقائق العلمية.

المشكلة التي تطرحها معايير الاستدلال علي الحقائق العلمية أن تلك المعايير قادرة فقط علي الاستدلال علي حقائق “غير مهمة” بينما كل الحقائق المهمة لا يمكن الاستدلال عليها بتلك المعايير ، فيضطر العلماء إلي إخضاعها إلي معايير أقل من حيث الحجية المعرفية وهي معايير النظريات والفرضيات. يقول الفيلسوف الأمريكي البورفيسور فْرِيد بيرثولد : “إن الحقائق المهمة غير معروفة ، والحقائق المعروفة غير مهمة !”[xvii] ، فما هي معايير صياغة النظريات والفرضيات العلمية التي تجعل منها أقل بكثير من حيث الحجية المعرفية مقارنةً بالحقائق العلمية ؟

عندما تتعذر المشاهدات والتجارب المباشرة التي تستطيع أن تفسر ظاهرة ما ، فإنه يجوز أن يتم تفسير تلك الظاهرة بناءاً علي أساس مشاهدات وتجارب لا ترتبط بالظاهرة إلا من خلال قرينة جائزة ، بشرط أن يكون ذلك الارتباط خاضعاً لعدة مبادئ أهمها الخطئية[xviii] وقابلية التحقق ، وأن تصف النظريةُ الظاهرةَ بدقة كافية وأن تكون قادرة علي التنبؤ بتلك الظاهرة في المستقبل مع تغير عوامل حدوثها. هذا هو الإطار المعرفي للنظرية العلمية ، ولنضرب علي ذلك مثالاً واضحاً. عند دراسة ظاهرة التجاذب بين الأجرام السماوية المختلفة ، عجز نيوتن عن مشاهدة أو قياس قوي التجاذب بين الأجرام السماوية لكي يصيغ نظرية تصف تلك الظاهرة ، لكنه تمكن من مشاهدة مهمة علي الرغم أنها لا ترتبط بالظاهرة التي يدرسها ، هذه المشاهدة هي : حركة الأجرام السماوية ، فمن خلال “قرينة جائزة” هي افتراضه أن تلك الحركة مرتبطة بشكل أساسي بقوي التجاذب ، تمكن من صياغة قوانين الحركة التي تحدد علاقة الجاذبية بين الأجرام السماوية بناءاً علي كتلتها والمسافات بينها ، وكان ارتباط القرينة الجائزة -الافتراض الرياضي- بالظاهرة الغير مباشرة -حركة الأجرام- خاضعاً لإمكانية التحقق سواءاً في المعمل بإجراء تجارب مصغرة ، أو بدراسة حركة الأجرام السماوية المختلفة ، وكان كذلك بطبيعة الحال خاضعاً لبمدأ الخطئية الذي نؤجل شرحه إلي مقال آخر. ظلت نظرية نيوتن عن حركة الأجرام السماوية وسرعة الضوء ثابتة حتي بداية القرن العشرين عندما سقطت – أو بتعبير أكثر دقة سقطت حتميتها- مع انتصار النظرية النسبية لأينشتين.

ماذا عن الفرضيات العلمية ؟! إن الفرضيات العلمية هي الأقل مرتبة من حيث الحجية المعرفية بين أطروحات العلم التجريبي ، فالفرضيات هي ضرب من النظريات الذي لم تتوافر فيه المعايير الكاملة للنظرية ، فالفرضية ربما شابتها شوائب من حيث قدرتها علي التنبؤ بالظواهر في المستقبل ، أو يكون من غير الممكن إخضاعها لقابلية التحقق التجريبي ، أو ربما كان هناك ما يشوب القرينة الجائزة التي بنيت عليها تلك الفرضية. المثال علي ذلك فرضية الأكوان المتعددة التي تنص علي أن الوجود الذي نشاهده ونعيه ونصفه بالكون هو مجرد مجموعة عشوائية من التركيبات الطبيعية ضمن عدد لانهائي من المجموعات العشوائية المماثلة التي يُكوّن كل منها كوناً موازياً لكوننا ، فبالرغم من وجود قرينة جائزة قائمة علي إثباتات رياضية معقدة تؤيد هذه الفرضية إلا أنها تفتقر إلي ظواهر ومشاهدات تربط تلك القرينة الجائزة بظاهرة التدقيق المتناهي[xix] التي تسعي فرضية الأكوان المتعددة إلي تفسيرها في الأساس ، وبالتالي فالفرضية غير قابلة للتحقق أيضاً ، يما يجعلها دون مستوي الاعتبار كنظرية علمية.

إذن يمكننا القول أن الإجابة علي السؤال الثالث من الأسئلة الكبري لفلسفة العلوم يرسم حدوداً واضحة وفاصلة -من حيث الحجية المعرفية- بين الحقائق العلمية التي هي أعلي مراتب المعارف العلمية ، وبين النظريات والفرضيات العلمية التي هي محض أطروحات تسعي لوصف وتفسير الحقائق العلمية التي نطلق عليها اصطلاحاً : الظواهر الطبيعية. إن هذه الحدود الفاصلة بين مراتب المعارف العلمية ، ومعايير الحكم علي النظريات والفرضيات قد خضعت لجدل فلسفي كبير خلال القرن الماضي ، لاسيما مع أطروحات ميكانيكا الكم والفيزياء الحديثة ومنجزاتها في الكونيات والذرة ، ونتج عن هذا الجدل العديد من الأطروحات التي شكلت ولاتزال تحديات كبيرة أمام الفكر الإسلامي ، لاسيما مع السعي الغربي الدؤوب لنشر هذه الأطروحات من خلال الإعلام الفضائي والدراما بأنواعها المختلفة فضلاً عن برامج العلوم الشعبية المتعددة. في المقالات القادمة بإذن الله نسعي لدراسة أهم هذه الأطروحات بشكل أكثر تفصيلاً بما نرجو أن يضيف قيمة علمية وفلسفية تعين الفكر الإسلامي علي تجاوز محنته العالمية المعاصرة.

_______________________________

* نشر هذا المقال في مركز “نمــاء” للبحوث والدراسات : http://nama-center.com/ActivitieDatials.aspx?ID=112


[i] Priori

[ii] Empiricism

[iii] Logical positivism

[iv] Critical rationalism

[v] Causality

[vi] Popular science

[viii] Worm holes

[ix] Space-time

[xii] Multiverse hypothesis

[xiii] Scientific facts

[xiv] Peter Kosso (2011) A Summary of Scientific Method, Springer Verlag

[xv] Photon

[xvi] Verification

[xvii] Vaḥīduddīn K̲h̲ān̲ (2003) God Arises, International Islamic Publishing House, Riyadh, KSA

[xviii] Falsfiability

[xix] Fine Tuning

 

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

 
%d مدونون معجبون بهذه: