RSS

Tag Archives: مظاهر التغريب

البحث عن الطقس الديني

الإنسان الشرقي يبحث بطبيعته عن “الطقس الديني” ، و العربيْ لا يختلف في ذلك كثيراً ، لكن غاية الإسلام أبعد ما تكون عن أن تقتصر على “الطقس الديني” و عن أن تتمحور حولها ، بل غاية الإسلام تمتد لأبعد من ذلك بكثير لتصل معاني التوحيد و الاستجابة لرسائل الأنبياء إلى مركز الوعي الإنساني و سيرورته المعرفية الممتدة إلى نهاية التاريخ.

لذلك امتد الإسلام إلى ماوراء الخطاب الإيماني الروحي لكي يخاطب العقل و المنطق الفطري ، فصنع بذلك منهجاً متكاملاً للاحتجاج و التفسير لكي يواجه المسلم به عالمه ، بوعي سليم و معرفة متجددة ، و لكي ينظر من خلاله إلى معطيات الطبيعة و يقيّم إدراكه لها.

أما الاقتصار على “الطقس الديني” فغايته أن يوفر للاشعور إحساساً بالأمن و تبريراً لاستمرار حالة السكون التي تستسيغها النفس ، و غاية ذلك الاقتصار أن يخدّر المنطق الفطري ويعطل نقده للواقع من حول الإنسان..

والدعوة الإسلامية التي مارستها التيارات الإسلامية المعاصرة اقتربت من أن تقصر غايتها على الطقس الديني ، لذلك لم تنجح في سبر أغوار الأزمة التاريخية التي تعيشها مجتمعاتنا المسلمة ، ولم تنجح في تضميد جراح الجماهير و رأب الصدع الذي خلفه العصر الكولونيالي بين الجماهير و التراث الإسلامي.

والحل أن يغادر العقلاء هذه التيارات ، و ينفضوها من جذورها ، و تعود الدعوة الإسلامية إلى قلب المجتمع كما كانت في عهد النبي صلوات الله وسلامه عليه ، و تعود هموم الجماهير لتصبح الاهتمام الرئيس لتلك الدعوة بدلاً من هموم السلطة و السياسة والاستتباع و الجاه…

 

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

قضية الإتقان !

الفارق المادي بين الشباب العربي و الشباب الغربي يمكن تلخيصه في “الإتقان” ! فبينما يتربى الشاب في أوروبا وأمريكا على الإتقان في كل شئ ، بدئاً من البيت و المدرسة إلى الشارع و المتحف و المصنع و الزرعة و المسرح و السينما ، يتربى الشاب العربي على الإساءة في نفس الأشياء !
الاثنان غارقان في الشهوات ، نعم صحيح ، لكن الشاب الغربي تضع له طبيعة الحياة و متطلباتها العملية قيود وقتية على هذه الشهوات فلا تجعله يستصحبها إلى أوقات العمل و التعليم ، الأوقات التي ينشغل فيها بالإتقان ! أما الشاب العربي فهذه الشهوات تمثل كل تفكيره و وعيه و واقعه ، ولا تمثل له قضية الإتقان أي أهمية في وعيه و تفكيره.

إن إصلاح المجتمعات العربية لا يمكن أن يتم بالاقتصار على احياء مفهوم التدين اللازم في نفوس الشباب ، وحثهم على التشبه المحض بالأجيال الأولى للأمة الإسلامية ! هناك حلقة مفقودة بين مفهوم التدين في هذه الصورة و مفهوم الإتقان المعاصر بشموليته ، هناك حلقة مفقودة بين الالتزام بالصلاة و الصوم و تجنب المحرمات و بين الشغف بالعلم و التعلم و الرغبة الحقيقية الأصلية في الإبداع ! هناك حلقة مفقودة بين مفاهيم الصدقة و الزكاة و الإحسان إلى الناس و الفقراء و بين إدراك ضرورة امتلاك أحدث أدوات الصناعة و فهم و تطبيق أحدث النظريات الاقتصادية و الإدارية ! هناك حلقة مفقودة بين التذكرة بالخصائص المتجاوزة للضمير المسلم (الحساب – الجنة – النار – الخلود) وبين مظاهر الحياة اليومية في الشارع و المكتب و المدرسة و المصنع ! هناك حلقة مفقودة بين دراسة الفقه و استيعاب أصوله ومذاهبه وبين إدراك فروض الكفايات المختلة في المجتمعات المسلمة و التي بسبب اختلالها يستعبدنا الغرب بكل مظاهر الحياة و الحضارة ! هناك حلقة مفقودة بين فهم التاريخ الإسلامي و إدراك أحكام السياسة الشرعية في زمن الخلافة وبين القدرة على التعامل مع الواقع العالمي الذي تحكمه الخلافة الصهيوأمريكية بالاقتصاد و العلم و الآلة العسكرية الجبارة !

إن انعدام الإتقان الذي نراه في مجتمعاتنا يظهر بوضوح في كل شرائح المجتمع ، المتدين و غير المتدين على حد سواء ، الغني و الفقير على حد سواء ، الموظف و التاجر على حد سواء ، المسئول الكبير و الموظف البسيط على حد سواء !

الخلل ليس في شخص و لا في طبقة ولا في مجموعة ، الخلل في العقول و المفاهيم و الوعي و الإدراك ، الخلل في الجو العام و المناخ الفكري الفاسد المُفسد !

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

عن الموقف الأمريكي من التطورات السياسية في مصر

بعد 11/9 كرست الولايات المتحدة جهود كبيرة لدراسة كل التيارات الإسلامية على مستوى العالم ، وخرجت من هذه الدراسات بنتيجة صلبة للغاية ، تؤيدها الاحصائيات والاستبيانات والتحقيقات الاستخباراتية و الآراء الأكاديمية المتخصصة وغيرها من وسائل سبر التيارات الإسلامية

هذه النتيجة هي وضع معايير لتقييم أو “تصنيف” التيارات الإسلامية من حيث خطورتها على الغرب ، أهم هذه المعايير هي قبول الديمقراطية والاعتراف بالنظام العالمي وشرعيته و مؤسساته ، فالحركات والتيارات الإسلامية التي ستنجح في تحقيق هذه المعايير سياسياً أكدت الدراسات أنها ستكون خاضعة للنظام العالمي على كل المستويات أثناء حكمها لأي دولة في الشرق الأوسط ، وبالتالي فلن تشكل أي خطورة علي الغرب الصهيوأمريكي ، أما التيارات التي ستفشل في تحقيق هذه المعايير على المستوى السياسي فإنها ستشكل بذلك خطراً على النظام العالمي ومن ثم فسيتم التعامل معها طبقاً لمقدار ذلك الخطر

الذي حدث في مصر أن كل الحركات والتيارات الإسلامية التي خاضت غمار العمل السياسي العام بعد سقوط نظام مبارك قد نجحت – بجدارة – في تحقيق معايير “الأمان” بالنسبة للولايات المتحدة والغرب بشكل عام ، فالكل وضع كل أحلامه في سلة الديمقراطية ، والكل أجمع على شرعية النظام العالمي و مؤسساته وآلياته السياسية ، و توج الإسلاميون الثورة بوضع دستور علماني/ليبرالي هو الأول من نوعه في تاريخ مصر الذي يضمن قدراً هائلاً من الحريات الفردية ويعترف بأهم عناصر فلسفة الإنسانية الغربية ، ومنذ أن صعد الإسلاميون إلى الحكم في مصر وهم يتعاونون بشكل كامل مع صندوق النقد والبنك الدوليين الذين يمثلان أهم أجهزة التركيع الاقتصادي التي يمتلكها النظام العالمي

وبالتالي فتحول المشهد السياسي المصري بالنسبة للولايات المتحدة من درجة [الخطورة] إلى درجة [الأمان] ، فالفائز في النهاية سيلعب داخل ملاعب النظام العالمي ويتحاكم إلي مؤسساته ومواثيقه وقوانينه ، ومن ثم اكتفت الولايات المتحدة بالمشاهدة وتقديم العون من حين إلى آخر إلى حلافائها القدامى ، وأحياناً أخرى إلي الحلفاء الجدد !

الولايات المتحدة الآن تنظر إلى الأحداث بنظرة الفائز ، فإن نجح الإسلاميون في إدراة الأزمة والانتقال بمصر عبر هذه الفترة الحرجة فسيصب هذا مباشرة في مصلحة الاستقرار في المنطقة وهو ما تسعى إليه أمريكا وإسرائيل ، كما أن ذلك سيحول الصراع بين أمريكا و التيارات الأصولية [الرافضة للديمقراطية والمعادية للنظام العالمي] إلي الصراع مع تيارات [الإسلام الديمقراطي] الموجودة في سدة الحكم ، وهذا بالتالي سيلقي بالكثير من الشوائب ويحدث قدراً كبيراً من التشوهات في الوعي الإسلامي المعاصر وهو ما تنشده أمريكا بالطبع ، أما إن فشل الإسلاميون في إدارة الأزمة فستدفع أمريكا بحلفائها العلمانيين ليقوموا بهذا الدور بعد أن يخسر الإسلاميون التعاطف الجماهيري الذي ارتكنوا عليه طيلة الفترة الماضية ، وتكون الولايات المتحدة قد حققت هدفاً كبيراً بإزالتها للتعاطف الجماهيري مع الفكرة الإسلامية

 

الأوسمة: , , , , , , ,

الثورة ومناهج التغيير

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

ملاحظات علي الدستور

فيما يلي بعض الملاحظات عن الدستور الجديد ووجهة نظري في نقده ، كنت قد كتبتها علي تويتر ثم رأيت أن أجمعها وأرتبها هنا ، وهي تبدأ ببعض التعريفات والمفاهيم التي تؤسس لما سيأتي من نقد

أقول بعون الله أن العلمانية هي نسق فلسفي ينطلق من إنكار سلطة الخالق علي البشر ومن ثم هدم فكرة اتخاذ شرائع الأديان كأساس للنظم السياسية ، وإنكار سلطة الخالق علي البشر ينبع من فلسفة الإنسانية التي تدور حول تأليه الجنس البشري والإيمان بحتمية وصوله إلي سيادة الكون ، وعلي ذلك فإن العلمانية وفلسفة الإنسانية ترفضان تقييد حرية الفعل البشري تحت أي مسمي “إلهي” أو “ديني” ولا تعترفان سوي بالقيود المادية K التي يفترض بها أن تنظم السعي الإنساني لسيادة الكون والتحكم فيه ، ومن هنا تلتقي بالليبرالية التي تضع رغبات الإنسان في مقدمة مقومات الحضارة.

وفي هذا الإطار تأتي الديمقراطية كنظام سياسي يعكس أولاً سيادة البشر علي الكون ويوفر آليات لتقرير هذه القيود المادية وحماية رغبات الإنسان.

وتعكس مصطلحات “حكم الأغلبية” و “التشريع” و “حماية الحريات” الثلاثة مبادئ السابقة الذكر علي الترتيب ، ويأتي مبدأ المساواة الإنسانية كأحد لوازم الثلاثة أنساق: العلمانية ، فلسفة الإنسانية ، الديمقراطية، وهي تساوي بين كل أفراد الجنس البشري باستثناء بعض الفوارق المادية المصطنعة كالسن والوظيفة وما إلي ذلك.


إلي هنا انتهيت من تقرير المبادئ ، وأبدأ في نقد الدستور فأقول وبالله التوفيق أن الديباجة قد قررت مبادئ علمانية أساسية منها علي سبيل المثال وحدة الكفاح الإنساني ، والمساواة بين أهداف ذلك الكفاح لدي البشر كلهم ، والاعتراف بحاكمية الأغلبية ، وأهم عناصر فلسفة الإنسانية كالمساواة وقررت أهداف الكفاح الإنساني من وجهة النظر العلمانية ، وقررت بألفاظ مطلقة غير مقيدة “حماية الحريات” التي هي أهم عناصر الليبرالية.

ثم أتي الباب الأول ليؤكد علي هذه المبادئ ، فأكد علي المساواة المستمدة من فلسفة الإنسانية ، واتخاذ “حكم الأغلبية” ومن ثم “الديمقراطية” أساسين لنظام الحكم في الدولة ، وفي تجاهلٍ عجيب لأهم أزمة تعيشها الأمة الإسلامية اعترف الدستور بشريعة اليهود دون أي تفصيل للفرق بينها وبين الصهيونية مع إغفال حقيقة أن الأغلبية الساحقة من اليهود يدينون بالصهيونية ويتحاكمون للتلمود ، وكل ذلك بدون أي مبرر سياسي فاليهود في مصر عددهم 80 كل منهم عنده جنسية أخري !

ويفيض الباب الأول بالكثيرمن المصطلحات العلمانية/الليبرالية الشائكة بدون أي تفصيل أو توضيح لها مثل “المساواة” و “الحرية” و”الثقافة” بينما يخلو من أي بيان أو تقييد لمصادر التشريع الأخري التي تأتي بجانب “مبادئ الشريعة” ولا أي تفصيل لمعني وحدود “العدل” في ظل وجود مصادر أخري للتشريع ، ويختتم الباب الثاني بفصل المقومات الاقتصادية الذي يتجاهل تماماًواقع الاقتصاد العالمي الربوي ولايقدم أي تعريف لماهية “العدالة الاجتماعية” في إطار الواقع الاقتصادي العالمي والتحديات الاقتصادية التي تعيشها مصر.

أما الباب الثاني الذي يتحدث عن الحقوق والحريات فقد خلا تماماً من أي تعريف دقيق لمصطلح “الحرية الشخصية” وأصّل مجدداً للمساواة الإنسانية ، واختص في ذلك التأصيل بالتركيز علي المساواة الإنسانية أمام القانون ، وهذا مما يحتاج التوقف عنده والاستطراد فيه ، فالشريعة الإسلامية تمتلأ بأحكام مستنبطة من النصوص القطعية الثبوت والدلالة وغيرها من الإجماع تميز بين المسلمين وغيرهم في قضايا كثيرة ، منها علي سبيل المثال المنع من قبول شهادة الكافر ، وعدم المساواة في الدماء ، والمنع من توليه مناصب القضاء والولاية وغير ذلك كثير، فالتشديد علي التطبيق القانوني لمبدأ المساواة المستقي من فلسفة الإنسانية يمنع من تطبيق تلك الأحكام كلها ، وإن قيل مادة الشريعة تسمح بذلك أجيب علي ذلك بأن مادة الشريعة تسمح بوجود مصادر أخري للتشريع غيرها ، وبذلك فهي لا تمنع الجمع بين الشريعة وما يناقضها ، وهذا أحد أوجه التناقض في الدستور ، هذا بجانب أن مواد المساواة المستقاة من فلسفة الإنسانية مقررة في الديباجة التي اختتمت بالنص علي أن ما ورد بها “ثوابت” بخلاف الشريعة التي لم يأت لها ذكر في تلك الديباجة التي هي في حقيقتها “مبادئ فوق دستورية” وفي معظمها منبثقة من وثقة الأزهر المشؤومة.

أما الفصل الثاني من الباب الثاني فهو كارثيّ بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ ! فقد كفل حرية الرأي والتعبير ولم يقرر لهما حدوداً واضحة ، كما أنه قد أفرد مادة تقرر حماية “حرية الإبداع” ولم يضع أي تعريف يحدد ماهية ذلك الإبداع الذي تلتزم الدولة بحمايته وحماية أصحابه.

وفي نفس الوقت سلب الدولة حق الرقابة علي الصحف والإعلام إلا في زمن الحرب ، وبذلك أكد مجدداً علي المنظور العلماني/الليبرالي للحريات.

وفي الفصل الرابع من الباب الثاني أكد الدستور مجدداً علي عدم جواز أن يقيد أي قانون “الحقوق والحريات بما يمس جوهرها” بما يرسخ ما تقدم ذكره

أما الباب الثالث فقد أخضع سلطة التشريع لحكم الأغلبية بما يناقض مفهوم الشوري المقيدة بأهل الحل والعقد تأكيداً لمفاهيم المساواة العلمانية

وأصّل الباب الثالث أيضاً لمبدأ تداول السلطة الذي هو من أهم مبادئ الديمقراطية والذي يضمن استمرارالنسق الإنساني متجسداً في حاكمية الأغلبية

أما الفصل الخامس فقد عطل واحداً من أهم جوانب الشريعة الإسلامية، فقد استقل بما يختص الأمن القومي والدفاع عن الشريعة وعلمائها وأهمل تماماً حقيقة أن الشريعة من أهم مقاصدها تقنين الأعمال العسكرية والحكم علي مآلاتها ، لاسيما أن تلك الأعمال تمس حياة المسلمين وأموالهم وأعراضهم ، فلم تتضمن عضوية مجلس الأمن القومي ومجلس الدفاع الوطني علماء الشريعة المختصين بدراسة قرارات الأعمال العسكرية وبيان حكم الشرع فيها

هذه هي أهم القضايا التي أراها كافية لنقد الدستور ومقاطعته ، بخلاف عدد من القضايا الأخري الفرعية التي ربما لا تتعلق بالشرع مباشرة ، فمواد الدستور متناقضة ، والمستقر منها يعكس النسق الفلسفي الإنساني الذي هو أساس العلمانية وحاكمية الديمقراطية التي هي آلتها السياسية


والله أعلي وأعلم ، والحمد لله رب العالمين

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

*مدخل إلي فلسفة العلوم : النشأة التاريخية وإشكاليات الواقع (2)

(تصميم مركز نماء للبحوث والدراسات)

تعرضنا في المقال السابق لأهم الأسئلة التي تسعي فلسفة العلوم للإجابة عليها ، وتوقفنا عند السؤال الثاني الذي يتعلق بحدود الفروض الصحيحة للعلم التجريبي وذلك لما طرحنا “الحتمية” كأحد الفروض الأولية[i] التي قامت عليها الفلسفة التجريبية[ii] ووضحنا كيف هدمت المدارس الحديثة لفلسفة العلوم كالوضعية المنطقية[iii] والعقلية النقدية[iv] مبدأ الحتمية ، وجدير بالذكر أن هناك خلط شائع بين مبدأي السببية[v] والحتمية لا سيما عند غير المشتغلين بالعلوم الطبيعية أو المغرقين في الفسلفة البحتة ، والحقيقة أن ثمة علاقة قوية بين المبدأين لكن بالتأكيد كل منهما مستقل تماماً عن الآخر ، فالسببية تقضي بأن كل حدث له أسباب أدت إلي حدوثه ، بينما الحتمية تقضي بأن تكرار السبب لابد أن يؤدي إلي نفس الحدث في كل مرة ولا يمكن أن يؤدي إلي حدث مختلف بما يجعل العلاقة الرياضية بين السبب وأثره علاقة حتمية دائماً ، والحقيقة أن السببية في حد ذاتها ضرورية منطقياً ، ولم يكن هناك أي إشكال علمي أو فلسفي معتبر في إثباتها منطقياً ورياضياً باستثناء بعض التحديات التي فرضتها ميكانيكا الكم أمام هذا المبدأ ، أما الحتمية فقد تعرضت للعديد من الهزائم والنكبات التي أدت إلي سقوطها كأحد الفروض الأولية للعلوم الطبيعية كما أوضحنا في المقال السابق ، وذلك الخلط بين المبدئين هو الذي يجعل بعضهم يشنعون علي أئمة الإسلام بأنهم قد رفضوا السببية بما يجعلهم مخرفين أو مهرطقين في نظر هؤلاء ، إلا أنه في حقيقة الأمر فإن هؤلاء الأئمة – كحجة الإسلام أبي حامد الغزالي وشيخ الإسلام الهروي الأنصاري وغيرهما – قد رفضوا الحتمية مع إقرارهم للسببية ، بما جعلهم يسبقون الحضارة الغربية بأكثر من عشرة قرون من الزمان. إن وجود السببية لا يعني ضرورة الإقرار بالحتمية. هذا ما استقر عليه جمهور علماء المسلمين منذ قرون طويلة وما اتفق عليه علماء الفيزياء وسائر العلوم الطبيعية في الغرب خلال القرن الماضي.

 ماهي الحدود الفاصلة بين الحقائق والنظريات والفرضيات العلمية ؟

 كان هذا السؤال الثالث الذي تسعي فلسفة العلوم للإجابة عليه ، وفي حقيقة الأمر فإن الإجابة علي هذا السؤال تمس عامة الناس في حياتهم اليومية ، إذ أن وسائل الإعلام الحديثة تقدم محتوي لا بأس من العلوم الشعبية[vi] المبسطة التي يتلقاها عامة الناس بشغف واهتمام كبير بما يجعل ذلك المحتوي يؤثر تأثيراً ملحوظاً في صناعة وتوجيه الرأي العام. ربما كانت برامج العلوم الشعبية شحيحة للغاية في الوطن العربي باستثناء بعض الفضائيات الغربية المترجمة ، لكن في الغرب تعج الفضائيات ووسائل الإعلام المقروءة والسيبرية بمواد العلوم الشعبية باللغات المختلفة ، ويتسم محتوي تلك المواد -بشكل عام- بذوبان الحواجز بين مراتب المعرفة العلمية المختلفة ، فالرغبة في تقديم عنصر الإثارة وتحقيق نسبة مشاهدة عالية تجعل الافتراضات الرياضية المبدئية تصور علي أنها نظريات علمية رصينة ، وتجعل النظريات التي لاتزال في طور الصياغة والتدقيق تصور علي أنها حقائق علمية لا شك فيها ، ولا يستطيع المشاهد أن يدرك ذلك إلا إذا كان من المشتغلين بالعلوم وعلي دراية كافية بفلسفة العلوم وقواعد ومنهج البحث العلمي ، أما المشاهد العادي فينبهر بالمادة الإعلامية المزخرفة بعناصر الإبهار وربما الدراما والتي تختلط فيها النظريات العلمية الرصينة بالافتراضات الفلسفية البحتة والآمال العلمية الحالمة مثل الفيلم “العلمي” الذي قدمته ناشيونال جيوجرافيك عن إمكانية ومستقبل السفر في الزمن[vii] والذي خلطت فيه النظرية النسبية التي استقر علي صحتها علماء الفيزياء منذ أكثر من نصف قرن ، بعدد من الافتراضات عن وجود “الثقوب الدودية”[viii] التي تعبر نسيج الزمان-مكان[ix] وعدد آخر من الأحلام العلمية عن الإمكانية التقنية لطي الزمان-مكان باستخدام الجاذبية والسفر بسرعة الضوء ! فالمشاهد العادي لن يستطيع التفرقة بين كلام البروفيسور ستيفن هوكينج الرصين عن “علاقة الجاذبية بنسيج الزمان-مكان” وكلام المُعلق التابع لطاقم الفيلم عن “أن السفر في آلة الزمن هو أمر ممكن مستقبلاً” ! والأمثلة علي الخلط البائس بين درجات المعرفة في الإعلام عسيرة علي الإحصاء ، مابين السفر في الزمن إلي اكتشاف إكسير الحياة[x] إلي وجود الأكوان المتوازية[xi] !

إن تأثر المسلمين بهذا الخلط بين مراتب المعرفة العلمية هو تأثرٌ بالغ الخطورة إذ أن الفرضيات العلمية التي لاتزال في طور التكوين والنقد تقدم إلي جماهير المسلمين علي أنها حقائق علمية بل وربما يثار حولها جدل كبير من حيث توافقها مع نصوص القرآن والسنة أو عدمه ، بينما في حقيقة الأمر أن ذلك الجدل زائف من كل وجه ، فالجدوي المعرفية للاستدلال بمثل هذه الافتراضات “الفلسفية” منعدمة ، فإذا سلمنا جدلاً بوجود أدني قدر من الجدوي لمثل هذا الاستدلال فنجد أن التعارض بين مكتسبات العلوم التجريبية والحقائق العليا التي أتي بها الوحي الإلهي هو تعارض مستحيل ، إذا أن تلك المكتسبات قد تم التوصل إليها بطريق الحس والمشاهدة والاستنباط ، بينما تم التوصل إلي الحقائق العليا بطريق الوحي الإلهي ، ومن ثم فإن الإطار المعرفي للمعارف العلمية هو إطار مختلف جملة وتفصيلاً عن الإطار المعرفي لحقائق الوحي الإلهي ، فكما أن الاستدلال علي صحة أحاديث البخاري بطريق التجربة المعملية مستحيل ، فإن التعارض بين فرضية الأكوان المتعددة[xii] وبين أركان الإيمان أو إثبات وجود الله هو تعارض مستحيل ! ولكي يمكن تقديم القارئ المسلم العربي إلي حقيقة هذه الإشكالية الفكرية الخطيرة نستعرض في هذا المقال مراتب المعرفة العلمية والحدود التي تفصل كل منها عن الأخري ، وذلك سعياً لبيان دور فلسفة العلوم في الإجابة علي هذا السؤال.

يمكن تعريف الحقيقة العلمية[xiii] مبدئياً بأنها “مشاهدة موضوعية وقابلة للتحقق”[xiv] وهذا التعريف لأعلي مراتب المعرفة العلمية ينطبق علي قدر ضئيل من مكتسبات العلوم التجريبية ، إذ أن مقتضي ذلك التعريف أن يكون إدراك الحقيقة العلمية راجع لإدراكها كلها أو جزء منها بإحدي الحواس البشرية الخمسة ، أما إذا كان ذلك من غير الممكن ، وكان من المتاح مشاهدة أحد آثار الظاهرة محل الدراسة فقط فيظل ناتج المشاهدة مندرجاً تحت مرتبة “الحقيقة العلمية” إلا أن هناك بعض الإشكاليات التي سنتعرض لها فيما بعد تختص بهذا النوع من الحقائق العلمية. إذن عندما يشاهد المرء كوباً من الماء تحت الميكرسكوب الضوئي فيري بعض الكائنات الدقيقة ، فإن وجود هذه الكائنات في ذلك الماء يعد من باب الحقائق العلمية ، وعندما يشاهد المرء من فوق جبل مرتفع دائرة الأفق فيستنتج أن الأرض كروية لأن الأفق الذي هو مقطع من الأرض دائري ، تكون هذه حقيقة علمية ، وعندما يعجز الإنسان عن مشاهدة الفوتون[xv] لكنه يشاهد تردده الموجي – الذي يمثل أحد آثاره- علي شاشة أحد الأجهزة المعدة لذلك الغرض فإن وجود الفوتونات يعد حقيقة علمية.

هذا عن الحقائق ، ماذا عن النظريات والافتراضات العلمية ؟ إن النظريات والافتراضات العلمية هي أطروحات تسعي لتفسير وجود الحقائق العلمية وتفاعلها مع بعضها البعض ، فالنظريات والافتراضات ليست في ذاتها إخباراً عن “الحقيقة” بل هي مجرد محاولة لتفسير حقيقة علمية من وجهة نظر صاحب النظرية أو واضع الفرضية. من هنا يتضح لنا البون المعرفي الشاسع بين الحقائق العلمية والنظريات والافتراضات ، ففي حقيقة الأمر لا يفترض أبداً بالحقائق العلمية أن تتغير أو تتبدل ، بينما يفترض بالنظريات والافتراضات أن تتغير وتتبدل بشكل مستمر ذلك لأنها تعكس جهود ورؤي العلماء والباحثين لتفسير الظواهر الكونية التي يتم اكتشافها بمعايير الاستدلال علي الحقائق العلمية ، كذلك فمن الفروق الأساسية بين الحقائق والنظريات أو الفرضيات العلمية هو قابلية التحقق[xvi] ، فالحقائق العلمية تتوافر فيها قابلية التحقق بشكل جازم ونهائي ، بينما تسعي النظريات والفرضيات دائماً لتوفير نوع من قابلية التحقق يزيد من نسبة التأكد المتعلقة بكل نظرية أو فرضية علمية ، فقابلية التأكد للنظريات والفرضيات لا ترتقي أبداً لقابلية التأكد للحقائق العلمية.

المشكلة التي تطرحها معايير الاستدلال علي الحقائق العلمية أن تلك المعايير قادرة فقط علي الاستدلال علي حقائق “غير مهمة” بينما كل الحقائق المهمة لا يمكن الاستدلال عليها بتلك المعايير ، فيضطر العلماء إلي إخضاعها إلي معايير أقل من حيث الحجية المعرفية وهي معايير النظريات والفرضيات. يقول الفيلسوف الأمريكي البورفيسور فْرِيد بيرثولد : “إن الحقائق المهمة غير معروفة ، والحقائق المعروفة غير مهمة !”[xvii] ، فما هي معايير صياغة النظريات والفرضيات العلمية التي تجعل منها أقل بكثير من حيث الحجية المعرفية مقارنةً بالحقائق العلمية ؟

عندما تتعذر المشاهدات والتجارب المباشرة التي تستطيع أن تفسر ظاهرة ما ، فإنه يجوز أن يتم تفسير تلك الظاهرة بناءاً علي أساس مشاهدات وتجارب لا ترتبط بالظاهرة إلا من خلال قرينة جائزة ، بشرط أن يكون ذلك الارتباط خاضعاً لعدة مبادئ أهمها الخطئية[xviii] وقابلية التحقق ، وأن تصف النظريةُ الظاهرةَ بدقة كافية وأن تكون قادرة علي التنبؤ بتلك الظاهرة في المستقبل مع تغير عوامل حدوثها. هذا هو الإطار المعرفي للنظرية العلمية ، ولنضرب علي ذلك مثالاً واضحاً. عند دراسة ظاهرة التجاذب بين الأجرام السماوية المختلفة ، عجز نيوتن عن مشاهدة أو قياس قوي التجاذب بين الأجرام السماوية لكي يصيغ نظرية تصف تلك الظاهرة ، لكنه تمكن من مشاهدة مهمة علي الرغم أنها لا ترتبط بالظاهرة التي يدرسها ، هذه المشاهدة هي : حركة الأجرام السماوية ، فمن خلال “قرينة جائزة” هي افتراضه أن تلك الحركة مرتبطة بشكل أساسي بقوي التجاذب ، تمكن من صياغة قوانين الحركة التي تحدد علاقة الجاذبية بين الأجرام السماوية بناءاً علي كتلتها والمسافات بينها ، وكان ارتباط القرينة الجائزة -الافتراض الرياضي- بالظاهرة الغير مباشرة -حركة الأجرام- خاضعاً لإمكانية التحقق سواءاً في المعمل بإجراء تجارب مصغرة ، أو بدراسة حركة الأجرام السماوية المختلفة ، وكان كذلك بطبيعة الحال خاضعاً لبمدأ الخطئية الذي نؤجل شرحه إلي مقال آخر. ظلت نظرية نيوتن عن حركة الأجرام السماوية وسرعة الضوء ثابتة حتي بداية القرن العشرين عندما سقطت – أو بتعبير أكثر دقة سقطت حتميتها- مع انتصار النظرية النسبية لأينشتين.

ماذا عن الفرضيات العلمية ؟! إن الفرضيات العلمية هي الأقل مرتبة من حيث الحجية المعرفية بين أطروحات العلم التجريبي ، فالفرضيات هي ضرب من النظريات الذي لم تتوافر فيه المعايير الكاملة للنظرية ، فالفرضية ربما شابتها شوائب من حيث قدرتها علي التنبؤ بالظواهر في المستقبل ، أو يكون من غير الممكن إخضاعها لقابلية التحقق التجريبي ، أو ربما كان هناك ما يشوب القرينة الجائزة التي بنيت عليها تلك الفرضية. المثال علي ذلك فرضية الأكوان المتعددة التي تنص علي أن الوجود الذي نشاهده ونعيه ونصفه بالكون هو مجرد مجموعة عشوائية من التركيبات الطبيعية ضمن عدد لانهائي من المجموعات العشوائية المماثلة التي يُكوّن كل منها كوناً موازياً لكوننا ، فبالرغم من وجود قرينة جائزة قائمة علي إثباتات رياضية معقدة تؤيد هذه الفرضية إلا أنها تفتقر إلي ظواهر ومشاهدات تربط تلك القرينة الجائزة بظاهرة التدقيق المتناهي[xix] التي تسعي فرضية الأكوان المتعددة إلي تفسيرها في الأساس ، وبالتالي فالفرضية غير قابلة للتحقق أيضاً ، يما يجعلها دون مستوي الاعتبار كنظرية علمية.

إذن يمكننا القول أن الإجابة علي السؤال الثالث من الأسئلة الكبري لفلسفة العلوم يرسم حدوداً واضحة وفاصلة -من حيث الحجية المعرفية- بين الحقائق العلمية التي هي أعلي مراتب المعارف العلمية ، وبين النظريات والفرضيات العلمية التي هي محض أطروحات تسعي لوصف وتفسير الحقائق العلمية التي نطلق عليها اصطلاحاً : الظواهر الطبيعية. إن هذه الحدود الفاصلة بين مراتب المعارف العلمية ، ومعايير الحكم علي النظريات والفرضيات قد خضعت لجدل فلسفي كبير خلال القرن الماضي ، لاسيما مع أطروحات ميكانيكا الكم والفيزياء الحديثة ومنجزاتها في الكونيات والذرة ، ونتج عن هذا الجدل العديد من الأطروحات التي شكلت ولاتزال تحديات كبيرة أمام الفكر الإسلامي ، لاسيما مع السعي الغربي الدؤوب لنشر هذه الأطروحات من خلال الإعلام الفضائي والدراما بأنواعها المختلفة فضلاً عن برامج العلوم الشعبية المتعددة. في المقالات القادمة بإذن الله نسعي لدراسة أهم هذه الأطروحات بشكل أكثر تفصيلاً بما نرجو أن يضيف قيمة علمية وفلسفية تعين الفكر الإسلامي علي تجاوز محنته العالمية المعاصرة.

_______________________________

* نشر هذا المقال في مركز “نمــاء” للبحوث والدراسات : http://nama-center.com/ActivitieDatials.aspx?ID=112


[i] Priori

[ii] Empiricism

[iii] Logical positivism

[iv] Critical rationalism

[v] Causality

[vi] Popular science

[viii] Worm holes

[ix] Space-time

[xii] Multiverse hypothesis

[xiii] Scientific facts

[xiv] Peter Kosso (2011) A Summary of Scientific Method, Springer Verlag

[xv] Photon

[xvi] Verification

[xvii] Vaḥīduddīn K̲h̲ān̲ (2003) God Arises, International Islamic Publishing House, Riyadh, KSA

[xviii] Falsfiability

[xix] Fine Tuning

 

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

الفوضي الخلاقة في مصر : عام من اللاثورة (2)

تحدثنا في المقال السابق عن التوجه الأمريكي لتفعيل نموذج الفوضي الخلاقة في مصر مع وضوح الضعف الشعبي للتيارات الداعمة لسياسات الولايات المتحدة ، ومع ظهور آفاق متعددة للتأثير الإسلامي في السياسية المصرية تهدد المصالح الأربعة المقدسة التي تحكم علاقات أمريكا بمصر ، ووضحنا لماذا لجأت الولايات المتحدة لهذا الأنموذج ، وفي هذا المقال نعرض مدخلاً هاماً لفهم الاستراتيجيات الأمريكية في التعامل مع التيارات الإسلامية بعد 11 سبتمبر ، وهذا المدخل يشكل عاملاً بالغ الأهمية في التطرق بعد ذلك إلي ديناميكيات الفوضي الخلاقة كما تصنعها الولايات المتحدة في مصر للوصول إلي نظام سياسي يحظي برضا شعبي “لابأس به” وفي نفس الوقت يحافظ علي المصالح الأربعة المقدسة للولايات المتحدة..

غلاف التقرير الصادر عن مؤسسة RAND الأمريكية المختصة في الدراسات والبحوث المتعلقة بالسياسة الخارجية الأمريكية

في عام 2004 صدر تقرير بعنوان “الإسلام المدني الديمقراطي : الشركاء والموارد والاستراتيجيات” للكاتبة شيريل بينارد Benard عن مؤسسة راند البحثية المتخصصة في تقديم المشورة ودعم اتخاذ القرار الأمريكي تجاه العالم الإسلامي [1] وهذا التقرير حمل خلاصة الفكر الأمريكي في مرحلة مابعد 11 سبتمبر حيث ظهر جلياً الخطر الإسلامي علي المصالح والأطماع التوسعية الأمريكية فكان من الضروري صرف الجهود لصياغة استراتيجية طويلة الأمد للتعامل مع الفكر الإسلامي الذي بدأ في الانتشار السريع مع القفزات الإعلامية المتتالية التي شهدها العالم آنذاك ، وتبرز أهمية هذا التقرير في الموضوع الذي نناقشه الآن من جهتين : الجهة الأولي إدراك واستيعاب الفهم الأمريكي للتيارات الإسلامية والفكر الإسلامي بشكل عام وكيفية تلقي صناع القرار الأمريكيين للخطاب الإسلامي والجهة الثانية تحليل الأحداث السياسية التي جرت في مصر خلال الشهور الماضية من خلال هذا الفهم ومن خلال الاستراتيجيات التي قدمها هذا التقرير لصناع القرار الأمريكيين والذين بدت قناعتهم بها واضحة للغاية خلال الأعوام السابقة. في السطور القليلة القادمة نستعرض ملخصاً لهذا التقرير وأهم الاستنتاجات الاستراتيجية التي جاءت به.

بدايةً يذكر التقرير السبب الرئيسي وراء المشكلة بين الغرب والإسلام في أطروحتين رئيسيتين:

  1. الغرب وعلي رأسه الولايات المتحدة ودول شمال وغرب أوروبا يريد انطلاقاً من تصوره عن المستقبل العالمي واستقرار التفوق الحضاري له أن يدمج الدول والمجتمعات الإسلامية في “الحضارة الغربية” بعناصرها المختلفة مثل القيم الإنسانية الغربية والنظم السياسية والاقتصادية التي أنشأها الغرب ، وكذلك الاندماج في المنظومة الصناعية العالمية التي تري دول الشرق والجنوب مصادراً للخامات ودول الغرب والشمال مصادراً للعلم والتقنية ، وبالتالي فإنه انطلاقاً من هذا فتري الولايات المتحدة في الإسلام أيدولوجية تشكل تحدياً أمام هذه الرؤية وطرق تحقيقها نظراً لأن تاريخ العلاقة بين الغرب والإسلام يحتوي علي العديد من الصراعات والصدامات التي عادةً ما جعلت الغرب يري الإسلام علي أنه أيدولوجية توسعية تسعي لفرض وبسط هيمنتها علي العالم
  2. هناك خلاف بين المسلمين أنفسهم حول طبيعة العلاقة بين الإسلام والغرب ، وكذلك يوجد خلاف حول الموقف الواجب اتخاذه من الرؤية الغربية للعالم والأهداف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يفرضها المجتمع الدولي “بقيادة الولايات المتحدة” علي الدول والمجتمعات الإسلامية ، وهذا الخلاف في الحقيقة هو الذي يفرض علي الولايات المتحدة صياغة استراتيجيات متعددة للتعامل مع عناصره بشكل فعال.

ثم يشرع التقرير بعد ذلك في شرح الأطروحة الأولي بذكر العوامل الفكرية الإسلامية المقاومة للمشروع الغربي ، ثم ينتقل بعد ذلك لتحليل الفكر الإسلامي والتيارات الإسلامية وموقف كل منها من تلك العوامل ليخلص إلي استراتيجيات محددة للتعامل مع تلك التيارات بحيث يتم تحييد التأثير المعارض لها وجعم التأثير الموافق للمشروع الغربي ، وما يهمنا في هذا السياق التقسيم الذي يعرضه التقرير للتيارات الفكرية الإسلامية ، فهذا هو الذي ننطلق منه لتحليل الأحداث التي جرت علي الاحة الياسية المصرية خلال الأشهر القليلة الماضية ، فطبقاً لهذا التقرير تنقسم التيارات الإسلامية إلي أربعة أقسام:

  1. الأصوليون Fundamentalist : وهم الذين يرفضون القيم الثقافية الغربية المعاصرة ، ويريدون تأسيس دولة أو نظام سياسي سلطوي تكون الغلبة فيه للقيم الدينية والأخلاقية الإسلامية كما ينص عليها القرآن ونصوص السنة ، ولايمانعون في استخدام كل الوسائل التكنولوجية الحديثة لتحقيق ذلك الهدف. وهؤلاء الأصوليون عدائيون تجاه القيم الغربية والأمريكية بشكل خاص ويريدون تدمير قيم الحداثة الغربية.
  2. التقليديون Traditionalists : يريدون مجتمعاً محافظاً ومتشككون في قيم الحداثة والإبداع والتغيير ، وعلي الرغم من ذلك فالتقليديين عندهم رؤي أكثر اعتدالاً بكثير من الأصوليين تجاه القيم الغربية والحداثية علي اتساع الطيف الفكري لهذا التيار.
  3. الحداثيون Modernists : يريدون أن يجعلوا العالم الإسلامي جزءاً من المنظومة الحداثية العالمية ، وفي سبيل هذا يريدون إعادة صياغة الإسلام ككل ليصبح متوفقاً مع الحضارة الغربية ومتطلباتها. هذا التيار يوجد فيه عناصر تصفها العديد من المجتمعات الإسلامية بالتجديد والإبداع الفكري والأدبي
  4. العالمانيون Secularists : يتبنون رؤية مفادها أن العالم الإسلامي يجب عليه أن يفصل (الشريعة عن الدولة) كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية التي تفصل (الكنيسة عن الدولة) وعلي هذا فيريدون قصر (الدين) علي إطار الممارسات الفردية فقط. وهذا هو التيار الإسلامي الأقل حظاً ووجوداً ودعماً في العالم الإسلامي.

ثم يصيغ التقرير السياسات والاستراتيجيات التي يتوجب علي الولايات المتحدة اتخاذها حيال هذه التيارات المختلفة ، ونلخصها فيما يلي:

  • أولاً دعم الحداثيين ، وذلك عن طريق:
    • نشر انتاجهم الفكري والأدبي ودعمه
    • تشجيعهم للكتابة والإنتاج الفكري للشباب والشرائح الجماهيرية المختلفة
    • تقديم رؤاهم الحداثية في الإطار التعليمي والتربوي “الإسلامي”
    • إعطاؤهم منصات إعلامية ذات شعبية وجماهيرية
    • جعل آرائهم وأجوبتهم علي الأسئلة الإسلامية الأكثر أهمية متاحة للجماهير ومنافسة لآراء وأجوبة الأصوليين والتقليديين علي نفس الأسئلة والمتاحة من خلال العديد من دور النشر والمواقع والبرامج التلفزيونية
    • تصوير الحداثة والعلمانية علي أنها “بديل ثقافي” للأجيال الشابة من المسلمين المصابة بإحباط حضاري وشعور سلبي تجاه الإسلام
    • دعم الرؤي الحداثية التي تستلهم الجذور التاريخية والثقافية (الغير إسلامية) في البلاد المختلفة
    • المساعدة في تمويل وإنشاء منظمات مجتمع مدني تلعب دوراً في توفير فضاء تعليمي وتربوي للشباب ليتعلموا الفكر والممارسات السياسية الغربية والتعبير عن آرائهم الداعم لهذا الفكر وتلك الممارسات
  • ثانياً دعم التقليديين في مواجهة الأصوليين ، وذلك عن طريق:
    • نشر النقد “التقليدي” للفكر والممارسات “الأصولية” علي الجماهير من خلال وسائل الإعلام ، وتشجيع الخلافات الفكرية والسياسية بين التيارين
    • تشجيع التعاون بكافة صوره بين الحداثيين والتقليديين الذين يلتقون في نهاية الطيف الأيدولوجي لكل فريق منهما
    • القيام بتعليم وتدريب التقليديين -كلما كان ذلك متاحاً- بمهارات وأفكار وأطروحات لمقاومة الأصوليين وأفكارهم وخطابهم الذي أحياناً ما يجذب الشباب لعلوه وتفوقه الفكري الإسلامي
    • زيادة تواجد الحداثيين في المؤسات التعليمية التي تنتمي للتيار التقليدي
    • التفرقة بين العناصر المختلفة في الفكر التقليدي ، فعلي سبيل المثال يندرج الأحناف في آسيا الوسطي والوهابيين في الجزيرة العربية تحت التيار التقليدي ، لكن الفرق بينهما كبير ، فعلي هذه التفرقة يجب دعم هؤلاء الأحناف أكثر في مواجهة العناصر التقليدية الأخري كالوهابية
    • دعم انتشار وجماهيرية الفكر والتيار الصوفي بكل الأشكال والطرق
  • ثالثاً محاربة ومواجهة الأصوليين ، وذلك عن طريق:
    • تحدي تفسيرهم للإسلام ونصوصه وكشف -وافتعال إن تطلب الأمر- أي تناقضات في ذلك التفسير
    • كشف الصلات بينهم وبين الجماعات والمجموعات التي تصنفها الولايات المتحدة والغرب علي أنها جماعات ومجموعات إرهابية
    • نشر العواقب الأمنية والعقابية لتصرفاتهم وفكرهم
    • تكوين صورة إعلامية متكاملة مفادها أن هؤلاء الأصوليون غير قادرين علي حكم بلادهم وتحقيق تطور اقتصادي وصناعي حقيقي بتلك البلاد
    • توجيه تلك الرسائل السابقة إلي مجموعات جماهيرية بعينها مثل : الشباب – المجتمعات التقليدية – النساء – الأقليات الإسلامية في الغرب
    • التجنب التام لرم أي صورة “بطولية” للأصوليين حتي ولو علي سبيل “الأبطال الأشرار” بل يجب تصويرهم إعلامياً دائماً علي أنهم “مشتتين فكرياً – جبناء – ووضيعين”
    • تشجيع الصحفيين والإعلاميين علي كتابة تقارير صحفية وإعلامية تصف الفساد المالي والأخلاقي في دوائر الأصوليين ومجموعاتهم
    • تشجيع بعض الفرق “الأصولية” الأقل خطراً ومحاولة توجيههم للفكر التقليدي
  • رابعاً دعم وتقوية بعض العناصر العلمانية المختارة ، وذلك عن طريق:
    • اتخاذ الأصوليين كعدو مشترك بما يمنع احتمالية الاتحاد أو التعاون بين الأصوليين وبين بعض التيارات العلمانية في مواجهة النفوذ الغربي والأمريكي بشكل خاص علي أسس مثل القومية العربية أو الفكر اليساري
    • دعم فكرة أن الشريعة والدولة يمكن الفصل بينهما في الإسلام كما هو الحال في المسيحية وهذا لا يهدد الإيمان الإسلامي بأي حال.

التقرير في مجمله يضع ما يسميه الغربيون بـ (القيم الفكرية للحضارة الغربية) في مواجهة مع (نصوص القرآن والسنة) كما يفهمها هؤلاء الذين أطلق عليهم التقرير “الأصوليون” ويدعو التقرير إلي دعم المجموعات التي تعمل علي صياغة فهم جديد وحداثي لهذه النصوص يخالف الفهم الأصولي لها ، وهذه المجموعات هي كل التيارات الإسلامية الـ(غير أصولية) والتي كشف التقرير العديد من صفاتها وخصائصها ، والتقرير يطرح ؤالاً هاماً علي العقل الإسلامي ألا وهو : ماهي المقاييس أو المعايير التي يحدد من خلالها صناع القرار الأمريكيون “نوع” تيار إسلامي ما بالنسبة للتقسيم السابق ؟

يقدم وصف كل تيار من خلال التقسيم الوارد في التقرير أهم جزء من الإجابة علي هذا السؤال ، فالمنطق يقول أن تصنيف أي تيار إسلامي طبقاً للتقسيم الوارد سيكون من خلال الخطاب الإعلامي والأدبيات التنظيرية لهذا التيار ، فالتيار الذي يتبني فكراً معارضاً للهيمنة السياسية الغربية ومطالباً بتطبيق الإسلام كما كان مطبقاً في عهد الخلافة الراشدة سيكون خطاباً يصنف أصحابه كأصوليين ، أما إذا كان الخطاب لا يتطرق إلي هذه المواضيع ويكتفي بمطالبة المسلمين بالمحافظة علي تعاليم دينهم -مع الوضع في الاعتبار الطيف الواسع لهذه التعاليم- سيصنف أصحابه كتقليديين ، بينما سيقع المطالبون بـ(تحديث) الإسلام وتطويره حتي يتناسب مع منظومة القيم الغربية -حتي وإن كان هذا مستتراً بستار الاجتهاد- في خانة الحداثيين ، أما العلمانيون فلهم سمة واضحة للغاية وهي المطالبة بالتخلي عن الإطار القانوني والتشريعي والاجتماعي للشريعة الإسلامية والاكتفاء بالعبادات الفردية اللازمة ، القضية الكبري هي في تنزيل/تطبيق هذه المعايير علي التيارات الإسلامية في الدول العربية والإسلامية المختلفة ، وما يهمنا في هذا السياق هو تطبيق هذه المعايير علي الطيف الإسلامي في مصر حتي يمكننا فهم التأثير الأمريكي في السياسية المصرية عن طريق أنموذج الفوضي الخلاقة التي بات من الواضح أن التيارات الإسلامية تلعب -بإدراك أو بغير إدراك- دوراً رئيسياً فيها

للحديث بقية إن شاء الله

المراجع

[1] Cheryl Benard (2004) Civil Democratic Islam: Partners, Resources, and Strategies, RAND Corporation. URL: http://www.rand.org/pubs/monograph_reports/MR1716.html

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , ,

 
تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 302 other followers

%d bloggers like this: