RSS

Tag Archives: مذهب أهل الحديث

الظنيّ والقطعيّ والتنصل من الشريعة الإسلامية‏*

يدق الحديث عن النصوص “القطعية” و “الظنية” آذاننا منذ فترة ليست بالقصيرة ، ويدندن العديد من رموز التيار العلماني حول ضرورة اقتصار أحكام الشريعة علي النصوص “القطعية” الدلالة فقط ، ونبذ كل الأحكام المستمدة من نصوص “ظنية” الدلالة علي الإطلاق ، وفي نفس الوقت يحوم رموز التيار العقلاني بالأزهر الشريف حول فكرة أقل خطراً إلي حد ما ، وهو اعتماد الأحكام المعتمدة علي نصوص ظنية الدلالة لكن ليس بالضرورة بما يتوافق مع المذاهب الأربعة المعتمدة أو أحدها ، بل ربما كان بفهم جديد تماماً يتناسب مع النكسة الحضارية والثقافية التي يعيشها هؤلاء المستغربون ، ويرضي عقدة التفوق الغربي التي تشكل محور هويتهم العلمية والثقافية.

 ماهي النصوص “القطعية” الدلالة وماهي النصوص “الظنية” الدلالة ؟ ولماذا يطالب العلمانيون بإسقاط الأحكام المستمدة من الأخيرة من جانب ، بينما يطالب “المعتزلة الجدد” بنبذ أصول المذاهب الأربعة في تفسيرها وإعادة تفسيرها بحسب أهوائهم من جانب آخر ؟ لماذا لم تنص “وثيقة الأزهر” علي مذهبٍ رسمي للدولة – وهو شئ بديهي عندما تخرج تلك الوثيقة من الأزهر – حتي تصبح مصر كسائر البلاد “الإسلامية” ؟ هل تقتضي وثيقة الأزهر – ضمنياً – إعادة القضاء الشرعي إلي مصر ؟

 أزعم أنني في هذا المقال أسعي لتقديم إجابات مبسطة عن هذه الأسئلة ، بما يحقق وعياً مبدئياً لدي المنتسبين إلي التيارات الإسلامية المختلفة بما يحاك من مؤامرات علي حاكمية الشريعة في مصر ، سواء من التيارات العلمانية الصريحة ، أو المستترة بستار الاعتزال الحداثي والعقلانية المستغربة.

 نصوص الوحيين (القرآن والسنة) لها خاصيتين في غاية الأهمية ، الخاصية الأولي هي الثبوت ؛ أي ثبوتها عن النبي صلوات الله وسلامه عليه ، والخاصية الثانية هي الدلالة ؛ أي دلالتها علي حكم شرعي ما ، فأما بالنسبة للثبوت فإن كل نصوص القرآن الكريم قطعية الثبوت ، أي أن الإسناد الذي يصل القرآن الكريم بالنبي صلي الله عليه وسلم لا يقبل التشكيك ولا النقد ، وأما بالنسبة للسنة النبوية المطهرة فإن إجماع أهل السنة والجماعة علي أن أحاديث الصحيحين قطعية الثبوت وتفيد العلم اليقينيّ سواءاً في ذلك المتواتر منها أو ما رواه الآحاد ، وخلال تاريخ الإسلام لم يرد أبداً عن جماهير علماء أهل السنة رد قطعية ثبوت أحاديث الآحاد – لاسيما في الأحكام – وإنما ورد ذلك فقط عن المبتدعين من الفرق الضالة كالجهمية والمعطلة والمرجئة ومن علي شاكلتهم ، وشعب مصر – في الجملة –  ينتمي لأهل السنة والجماعة في الاعتقاد والأصول ، أما باقي السنة مما ورد في الصحاح والسنن والمسانيد ، فتخضع قطعية ثبوته إلي قواعد المحدثين ، فما صح إسناده وانتفت فيه علل الضعف ، كان قطعيّ الثبوت ، والعكس صحيح.

 أما درجة الدلالة من حيث القطع والظن ، فهي محل النزاع في هذا المقام. يقول العلمانيون أن ماكان ظنيّ الدلالة لايمكن تعليق الأحكام به ، لحدوث الخلاف علي دلالته ، وبالتالي تفرق الأمة حول تلك الأحكام ، ومن ثم فيدعون إلي إلغاء كل الأحكام الشرعية المستمدة من النصوص ظنية الدلالة ، وهذا ماورد في نص وثيقة الأزهر المشئومة التي تخالف أصول أهل السنة والجماعة من غير وجه.

أما أصحاب المذاهب العقلانية ممن أحب أن أسميهم “المعتزلة الجدد” فيقولون أنه لا يمكن إلغاء النصوص ظنية الدلالة من جملة التشريع ، لاسيما أن الكثير من آيات القرآن من هذا الصنف ، ولكن استنباط الأحكام الشرعية من تلك النصوص هو الذي يجب أن يتغير بتغير الزمان والمكان ، فما كان محرماً في عصر النبي صلي الله عليه وسلم بنص ظنيّ الدلالة ، يجوز أن يصبح مباحاً الآن ، والعكس صحيح ، وعلي هذا فهؤلاء المبتدعين يسلكون مسلكاً فكرياً يقود إلي التنصل من المذاهب الأربعة الفقهية المعتمدة عند أهل السنة والجماعة ، ويقود أيضاً إلي تعليق كل مسائل العقيدة المستمدة من النصوص الظنية الدلالة بتغير الزمان والمكان.

 أما العلمانيون الذين يدعون إلي إقصاء كل النصوص الظنية الدلالة من الشريعة الإسلامية ، تحت إطار (التمسك بمبادئ الشريعة الكلية) كما تجلي ذلك في وثيقة الأزهر الإسلامية الظاهر العلمانية المضمون ، فيُرد عليهم بأن النصوص الظنية الدلالة كانت موجودة منذ عهد النبي صلي الله عليه وسلم ، وفهمها وتعامل معها الصحابة بأفهام مختلفة أقرها النبي صلي الله عليه وسلم من حيث أنها (غلبة الظن) لأصحابها علي كلامه صلي الله عليه وسلم ، ومن حيث عدالة الصحابة واجتهادهم ، والدليل علي ذلك مارواه البخاريّ ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) وقصة الحديث مشهورة معروفة ، فانقسم الصحابة رضوان عليهم فريقين : الصحابة من الفريق الأول أخذوا بظاهر أمر النبي صلي الله عليه وسلم وأخروا العصر حتي دخلوا بني قريظة فصلوه بعد العشاء ، والفريق الثاني أوّل كلام النبي صلي الله عليه وسلم أنه “حثٌ” علي سرعة المسير إلي بني قريظة ، وصلوا العصر في وقته ، ولم ينكر رسول الله صلي الله عليه وسلم علي أيٍّ من الفريقين فِعله ، فظهر بهذا أن كلا الفريقين متفقٌ في الأصل وهو : الأخذ بنص النبي صلي الله عليه وسلم علي الرغم من أنه ظني الدلالة ، وأن كلا الفريقين أيضاً مختلف في الفرع وهو : استنباط الحكم الشرعي من كلام النبي صلي الله عليه وسلم ، ولأن الفريقين قد استفرغا جهدهما للفهم والوصول إلي مراد النبي صلي الله ليه وسلم ، فقد أقرّ كليهما وأجاز فعل الصحابة من الفريقين جميعاً ؛ وبهذا تسقط دعوي العلمانيين مباشرةً إذ أنها لو كانت صحيحة ، لأسقط الصحابة من كلا الفريقين كلام النبي صلي الله عليه وسلم بحجة أنه “ظنيّ الدلالة” ولا يفيد العلم اليقيني ، وبالتالي لأنكر الرسول صلي الله عليه وسلم – علي الأقل – علي الفريق الذي أخذ بظاهر كلامه ؛ مع معرفة الوعيد علي تأخير الصلوات عن أوقاتها.

 أما الحداثيون الأزاهرة الذين اعتنقوا مذهب الشيخ محمد عبده وأستاذه الأفغاني ، الذي يعتبر وجهاً جديداً معاصراً للإعتزال ، فيذهبون إلي مذهبٍ وسط بين العلمانيين والأصوليين ، فهم يدعون أن هناك ما أسموه “بالمبادئ الكلية” للشريعة ، وهم لم يجهدوا أنفسهم بتوضحيها وبالرغم من ذلك فهم دائماً ما يحيلون الكلام عليها ، وهي – فيما أري – أنها تمتد بصلة ما إلي “مقاصد التشريع” الخمسة كما يبدو من اصطلاحها ، وهم ينصون الآن علي أن هذه المبادئ الكلية فقط هي صلب الشريعة الذي لا يسوغ مخالفته ، ويسعون لقصر مرجعية الشريعة عليها فقط ، كما ظهر ذلك من وثيقتهم المنسوبة للأزهر الشريف ، وتلك المبادئ – في تنظيرهم لتلك الوثيقة – مستمدة من النصوص “القطعية الدلالة” فقط ، وبهذا يظهر وجه اشتراكهم مع العلمانيين في السعي لقصر حاكمية الشريعة علي النصوص القطعية الدلالة فقط ، أما النصوص الظنية الدلالة ، فيري هؤلاء العقلانيون الحداثيون – في وثيقتهم – أن الجهة الوحيدة المخولة بتفسير تلك النصوص الظنية ، واستنباط الأحكام منها هو الأزهرالشريف ، بدون أي تقييد مباشر أو ضمنيّ بمذهب الدولة الرسمي ، الذي لم تسمه هذه الوثيقة – للغرابة الشديدة – علي الرغم من تأكد ضرورة ذلك ، لاسيما بالنسبة للجهابذة الأصوليين الذين درسوا المذاهب الأربعة أصولاً وفرواعاً ويعرفون قيمتها أكثر من أي أحد في مصر !

إذا نظرنا لأي بلد إسلامي سنجد أن له مذهباً رسمياً ترجع إليه المؤسسة الدينية الرسمية في استنباط الأحكام ، وإجراء القياس ، والترجيح بين الأقوال ، وما إلي ذلك من أعمل الإفتاء والقضاء ، ولنضر الأمثلة علي ذلك بما شئنا ، فها هي ماليزيا تنص قوانينها علي أنها ترجع إلي مذهب الشافعيّ ، وباكستان تنص علي أنها ترجع إلي المذهب الحنفيّ ، والمغرب والعديد من دول إفريقية المسلمة تنص علي أنها ترجع للمذهب المالكيّ.

 في واقع الأمر أنّ كل مذهب من المذاهب الأربعة هو عبارة عن مدرسة فكرية ومنهجية ، لها العديد من القواعد الأصولية المحررة التي يمكن بواسطتها التعامل مع النصوص الظنية الدلالة واستنباط الأحكام منها ، والترجيح بين الأقوال المختلفة فيها ، فالمذهب في حقيقة الأمر ليس إلا : طريقة للتعامل مع نصوص القرآن والسنة. والمذاهب الأربعة طال قبول المسلمين من أهل السنة والجماعة لها ، وتحررت قواعدها وعرفت ، وانتشرت كتبها ومسائلها وخلافاتها وحفظت ودونت ، فبالتالي فإن الإلتزام بأحد هذه المذاهب – من غير تعصب له – ييسر علي المسلمين كل أمور حياتهم ومعاشهم ، والقواعد الأصولية في كل مذهب تمكن “المجتهدين” من الذين جمعوا أدوات الاجتهاد ؛ تمكنهم من استنباط الأحكام للمسائل الجديدة العارضة التي لم تكن موجودة من قبل ، فالمذهبية الفقهية في حقيقة الأمر هي الوسيلة الوحيدة لمواجهة تحديات العصر بدون التفريط في أصول الدين التي كان عليها المسلمين طوال القرون السابقة.

 المشكلة الكبري أن الالتزام بهذه القواعد الأصولية للمذاهب الأربعة بحمل في طياته حتمية الاصطدام بالغرب ومناهجه الفكرية القائمة علي النسق الفلسفي الحداثي ومبادئ الحضارة الغربية كالليبرالية والمساواة المطلقة وغيرها ، لهذا فإن المتأثرين بتلك الحضارة والمتشبعين بهذا النسق الفلسفي الحداثي يحاولون بشتي الطرق – من لدن محمد عبده إلي الآن – أن يتجنبوا التقيد بهذه القواعد الأصولية الثابتة الراسخة التي وضعها الأئمة الكبار الأعلام كأبي حنيفة والشافعي ، ويحاول هؤلاء المستغربين دائماً أن ينسبوا تحللهم من تلك الأصول إلي مصطلحاتٍ شيقة ، تخلب الأباب وتأسر الأسماع ، مثل “التجديد” و “إعادة الاجتهاد” و”إعادة النظر في الأدلة” وما إلي ذلك من المصطلحات الموهمة المموهة ، والتي هي في حقيقة الأمر تهدف للتحلل من كل أصول المذاهب الأربعة مجتمعة ، وتهدف إلي هدم الإجماع بوجه أولي ، كأحد مصادر التشريع عند أهل السنة والجماعة.

 ختاماً أود أن أوضح أن مقاصد التشريع التي يسميها “المعتزلة الجدد” بالمبادئ الكلية تتفق عليها كل شعوب الأرض وكل ثقافات وحضارات المعمورة ، وليست ثم فائدة علي الإطلاق بالنص علي أن مرجعية الشريعة تقتصر علي تلك المبادئ الكلية ، لاسيما وأن مقصد حفظ الدين قد تم تفريغه من مضمونه تماماً ، بإسقاط النصوص الظنية الدلالة أو بجعل الاجتهاد فيها مخالفاً – في الأغلب – لتراث الأمة الفقهي متمثلاً في المذاهب الأربعة ، والسؤال الذي يجب أن يجيب عليه المعتزلة الجدد الآن هو : ماذا نفعل بتراث الأمة الفقهي والأصولي علي مدار أربعة عشرة قرناً من الزمان ؟ هل نستمر في تدريسه لأبنائنا أم نجمعه كله ونلقيه في البحر كما فعل التتار في بغداد ؟ أتراهم كانوا يرون النصوص الظنية الدلالة لا تصلح للإستدلال والاحتجاج أيضاً…؟!

الهوامش

  •  إدراج المراجع التي تنص علي حجية النصوص الظنية الدلالة في الاستدلال وتعبد هذه الأمة بغلبة الظن يحتاج لصفحات وصفحات في ذاته ، إذن أن ذلك قد نصت عليه كل كتب الأصول والفروع ، وعلي سبيل المثال يمكن للقارئ الرجوع إلي أصول السرخسي ، الإحكام للآمدي ، التلخيص لإمام الحرمين ، البحر المحيط للزركشي ، التحبير شرح التحرير للمرداوي ، العدة للقاضي أبي يعلي ، الفصول في الأصول للإمام الجصاص ليري كيف ينص هؤلاء السادة من علماء الأمة الأجلاء علي ذلك ، ويمكن للقارئ أيضاً أن يرجع إلي كتب الفقه علي أي مذهب من مذاهب أهل السنة شاء ليري كيف نتعبد إلي الله بغلبة الظن في مسائل الصلاة والصيام والحج والطهارة والمعاملات والبيع ولشراء والميراث وسائر فروع الشريعة.
  • قضية المذهبية وضرورتها لعامة المسلمين لاسيما في القضاء – ويفترض أن مرجعية الشريعة تعني تطبيق القضاء الإسلامي ولاشك – يمكن الرجوع فيها – علي سبيل المثال لا الحصر – إلي رسالة الحافظ بن رجب الحنبلي المسماة “الرد علي من اتبع غير المذاهب الأربعة” وكذلك إلي مقدمة المجموع للإمام النووي ، ورسالة الشيخ زاهد الكوثري البالغة القيمة المسماة “اللامذهبية قنطرة اللادينية”.
  • يمكن للقارئ المهتم بمعرفة دور الشيخ محمد عبده الحقيقي في إدخال الفكر العلماني والمنهج الفلسفي الغربي في مصر أن يراجع كتاب “الإسلام والحضارة الغربية” لفضيلة الأستاذ محمد محمد حسين الذي ترجم فيه للعديد من المفكرين الغربيين الذين أشادوا بدور محمد عبده في التوطئة والتمهيد للفكر العلماني في مصر ، ويمكن للقارئ كذلك أن لكتاب “صحوة الرجل المريض” لموفق بني المرجة لبيان حقيقة شخصية الأفغاني ودوره في إضعاف الخلافة العثمانية وإدخال الفكر الغربي الحداثي إلي مصر ، وكذلك المقال الرائع لفضيلة الأستاذ الدكتور يحيي هاشم حسن فرغل – رحمه الله – عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر سابقاً الذي هو بعنوان “الردة الثقافية” الذي  جمع فيه الأقوال التي تدين محمد عبده بتهمة “علمنة” الفكر الأزهري حين كان من المسئولين عن إعادة دوره في بناء الهوية الإسلامية وترميم الثقافة الإسلامية المهدمة.

* هذا المقال نشر في صحيفة المصريــــون بتاريخ 02-07-2011

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , ,

معالم المنهج الإصلاحي عند فضيلة العلامة أبي الحسن الندوي

فضيلة العلامة أبي الحسن الندوي رحمه الله

اعتمد المنهج الإصلاحي الذي عمل فضيلة العلامة أبي الحسن الندوي رحمه الله علي التنظير له وتطبيقه ونشره على ركائز وأسس تبلغ العشرين ، منها انطلق منهجه ، وإليها استندت دعوته ، وعليها اعتمد جهاده لإحياء الأمة الإسلامية ، وهذه الركائز العشرون كما أحصاها الدكتور يوسف القرضاوي في بحث له عن العلامة أبي الحسن الندوي ، هي:

1.      تعميق الإيمان في مواجهة المادية

أولى هذه الركائز: تعميق الإيمان بالله تعالى، وتوحيده سبحانه: ربا خالقًا، وإلهًا معبودًا واليقين بالآخرة، دارًا للجزاء، ثوابًا وعقابًا، في مواجهة المادية الطاغية، التي تجحد أن للكون إلهًا يدبره ويحكمه، وأن في الإنسان روحًا هي نفحة من الله، وأن وراء هذه الدنيا آخرة. المادية التي تقول : إن هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع! ولا شيء بعد ذلك. أو كما حكى الله عنهم: “وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ” [الأنعام: 29] وقد تخللت هذه الركيزة الفكرية المحورية معظم رسائله وكتبه؛ وخصوصًا: الصراع بين الإيمان والمادية.. ماذا خسر العالم.. الصراع بين الفكر الإسلامي والفكرة الغربية.

 2.      إعلاء الوحي على العقل

وثانية هذه الركائز: هي اعتبار الوحي هو المصدر المعصوم، الذي تؤخذ منه حقائق الدين وأحكامه، من العقائد والشرائع والأخلاق، واعتبار نور النبوة فوق نور العقل، فلا أمان للعقل من العثار إذا سار في هذا الطريق وحده، ولا أمان للفلسفات المختلفة في الوصول إلى تصور صحيح عن الألوهية والكون والإنسان والحياة، حتى الفلسفة الدينية أو علم الكلام حين خاضا هذه اللجة غرقا فيها.

وقصور العقل هنا شهد به بعض كبار المتكلمين كالفخر الرازي، والآمدي وغيرهما، وبعض كبار الفلاسفة، وأحدثهم (كانت) وكذلك فلسفات الإشراق لم تصل بالإنسان إلى بر الأمان، وقد بين ذلك الشيخ الندوي في عدد من كتبه، منها: النبوة والأنبياء في ضوء القرآن. ومنها: الدين والمدنية، وأصله محاضرة ألقاها في مقتبل الشباب (في الثلاثين من عمره).

3.      توثيق الصلة بالقرآن الكريم

والركيزة الثالثة: هي توثيق الصلة بالقرآن، باعتباره كتاب الخلود، ودستور الإسلام وعمدة الملة، وينبوع العقيدة، وأساس الشريعة، وهو يوجب اتباع القواعد المقررة في تفسيره وعدم الإلحاد في آية، وتأويلها وفق الأهواء والمذاهب المنحولة، ولهذا أنكر على القاديانيين هذا التحريف في فهم القرآن.

ومن قرأ كتب الشيخ وجده عميق الصلة بكتاب الله، مستحضرًا لآياته في كل موقف محنًا الاستشهاد بها غاية الإحسان، وله ذوق متفرد في فهم الآيات، كما أن له دراسات خاصة في ضوء القرآن مثل: تأملات في سورة الكهف -والتي تجلي الصراع بين المادية والإيمان بالغيب- والنبوة والأنبياء في ضوء القرآن.. ومدخل للدراسات القرآنية.. وغيرها من الكتب والرسائل، وقد عمل مدرسًا للقرآن وعلومه في دار العلوم بلكهنو عدة سنوات.

4.      توثيق الصلة بالسنة والسيرة النبوية

والركيزة الرابعة: هي توثيق الصلة بالسنة والحديث الشريف، والسيرة النبوية العاطرة باعتبار السنة مبينة القرآن وشارحته نظريًا، وباعتبار السيرة هي التطبيق العملي للقرآن، وفيها يتجلى القرآن مجسدًا في بشر “كان خلقه القرآن” وتنجلي الأسوة الحسنة التي نصبها الله للناس عامة، وللمؤمنين خاصة، لهذا كان من المهم العيش في رحاب هذه السيرة، والاهتداء بهديها والتخلق بأخلاقها، لا مجرد الحديث عنها، باللسان أو بالقلم.

وقد بين الشيخ أثر الحديث في الحياة الإسلامية، كما أبدع في كتابة السيرة للكبار وللأطفال، وهو هنا يجمع بين عقل الباحث المدقق، وقلب المحب العاشق، وهذا يكاد يكون مبثوثًا في عامة كتبه.

5.      إشعال الجذوة الروحية (الربانية الإيجابية)

والركيزة الخامسة: هي إشعال الجذوة الروحية في حنايا المسلم، وإعلاء “نفخة الروح” على قبضة الطين والحمأ المسنون في كيانه، وإبراز هذا الجانب الأساسي في الحياة الإسلامية التي سماها الشيخ “ربانية لا رهبانية” وهو عنوان لأحد كتبه الشهيرة، وقد سماه بهذا الاسم لسببين:

أولهما: أن يتجنب اسم التصوف لما علق به من شوائب، وما ألصق به من زوائد، على مر العصور، وهذا من جناية المصطلحات على الحقائق والمضامين الصحيحة، وما التصوف في حقيقته إلا جانب التزكية التي هي إحدى شعب الرسالة المحمدية، أو جانب الإحسان الذي فسره الرسول في حديث جبريل الشهير. والسبب الثاني: إبراز العنصر الإيجابي في هذه الحياة الروحية المنشودة، فهي روحية اجتماعية، كما سماها أستاذنا البهي الخولي رحمه الله، وهي ربانية إيجابية تعمل للحياة ولا تعتزلها، ولا تعبدها، وتجعل منها مزرعة للحياة الأخرى: حياة الخلود والبقاء.

كما وضح الشيخ الندوي الجانب التعبدي الشعائري في حياة المسلم في كتابه المعروف “الأركان الأربعة” وهو يمثل نظرة جديدة في عبادات الإسلام الكبرى: الصلاة والزكاة والصيام والحج، وآثارها في النفس والحياة.

6.      البناء لا الهدم، والجمع لا التفريق

والركيزة السادسة: أن الشيخ الندوي جعل همه في البناء لا الهدم، والجمع لا التفريق وأنا أشبهه هنا بالإمام حسن البنا رحمه الله، الذي كان حريصًا على هذا الاتجاه الذي شعاره: نبني ولا نهدم، ونجمع ولا نفرق، ونُقرّب ولا نباعد، ولهذا تبنى قاعدة المنار الذهبية: “نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه” وهذا هو توجه شيخنا الندوي فهو يبعد ما استطاع عن الأساليب الحادة، والعبارات الجارحة، والموضوعات المفرقة، ولا يقيم معارك حول المسائل الجزئية، والقضايا الخلافية.

ولا يعني هذا: أنه يداهن في دينه، أو يسكت عن باطل يراه أو خطأ جسيم يشاهده، بل هو ينطق بما يعتقده من حق، وينقد ما يراه من باطل أو خطأ، لكن بالتي هي أحسن، كما رأيناه في نقده للشيعة في مواقفهم من الصحابة “صورتان متضادتان” وفي نقده للعلامة أبي الأعلى المودودي والشهيد سيد قطب، فيما سماه “التفسير السياسي للإسلام” وإن كنت وددت لو اتخذ له عنوانًا غير هذا العنوان، الذي قد يستغله العلمانيون في وقوفهم ضد شمول الإسلام، وقد صارحت الشيخ بذلك ووافقني عليه رحمه الله.

7.      إحياء روح الجهاد في سبيل الله

والركيزة السابعة: هي إحياء روح الجهاد في سبيل الله، وتعبئة قوى الأمة النفسية للدفاع عن ذاتيتها ووجودها، وإيقاد شعلة الحماسة للدين في صدور الأمة، التي حاولت القوى المعادية للإسلام إخمادها، ومقاومة روح البطالة والقعود، والوهن النفسي، الذي هو حب الدنيا وكراهية الموت. وهذا واضح في كتابه “ماذا خسر العالم” وفي كتابه “إذا هبت ريح الإيمان” وفي حديثه الدافق المعبر عن الإمام أحمد بن عرفان الشهيد وجماعته ودعوته، وعن صلاح الدين الأيوبي وأمثاله من أبطال الإسلام.

ومنذ رسائله الأولى وهو ينفخ في هذه الروح، ويهيب بالأمة أن تنتفض للذود عن حماها، وتقوم بواجب الجهاد بكل مراتبه ومستوياته حتى تكون كلمة الله هي العليا.

8.      استيحاء التاريخ الإسلامي وبطولاته

والركيزة الثامنة: استيحاء التاريخ – ولا سيما تاريخنا الإسلامي- لاستنهاض الأمة من كبوتها، فالتاريخ هو ذاكرة الأمة، ومخزن عبرها، ومستودع بطولاتها. والشيخ يملك حسًا تاريخيًا فريدًا، ووعيًا نادرًا بأحداثه، والدروس المستفادة منها، كما تجلى ذلك في رسالته المبكرة “المد والجزر في تاريخ الإسلام” وفي كتابه: “ماذا خسر العالم” وفي غيره، والتاريخ عنده ليس هو تاريخ الملوك والأمراء وحدهم، بل تاريخ الشعوب والعلماء والمصلحين والربانيين. ليس هو التاريخ السياسية فقط، بل السياسي والاجتماعي والثقافي والإيماني والجهادي. ولهذا يستنطق التاريخ بمعناه الواسع، ولا يكتفي بمصادر التاريخ الرسمية، بل يضم إليها كتب الدين، والأدب، والطبقات المختلفة، وغيرها، ويستلهم مواقف الرجال الأفذاذ، وخصوصًا المجددين والمصلحين، كما في كتابه: “رجال الفكر والدعوة في الإسلام” الذي بين فيه أن الإصلاح والتجديد خلال تاريخ الأمة: حلقات متصلة، ينتهي دور ليبدأ دور، ويغيب كوكب ليطلع كوكب. والنقص ليس في التاريخ: إنما هو في منهج كتابته وتأليفه.

9.      نقد الفكرة الغربية والحضارة المادية

والركيزة التاسعة: هي نقد الجاهلية الحديثة، المتمثلة في الفكرة الغربية، والحضارة المادية المعاصرة، ورؤيته هنا واضحة كل الوضوح لحقيقة الحضارة الغربية وخصائصها، واستمدادها من الحضارتين: الرومانية اليونانية، وما فيهما من غلبة الوثنية، والنزعة المادية الحسية، والعصبية القومية، وهو واع تمامًا للصراع القائم بين الفكرة الغربية والفكرة الإسلامية وخصوصًا في ميادين التعليم والتربية والثقافة والقيم والتقاليد. وقد أنكر الشيخ موقف الفريق المستسلم للغرب، المقلد له تقليدًا أعمى في الخير والشر، ومثله: موقف الفريق الرافض للغرب كله، المعتزل لحضارته بمادياتها ومعنوياتها.. ونوه الشيخ بموقف الفريق الثالث، الذي لا يعتبر الغرب خيرًا محضًا، ولا شرًا محضًا. فيأخذ من الغرب وسائله لا غاياته، وآلياته لا منهج حياته، فهو ينتخب من حضارته ما يلائم عقائده وقيمه، ويرفض ما لا يلائمه، واهتم الشيخ هنا بشعر د. إقبال باعتباره أبرز ثائر على الحضارة المادية، مع عمق دراسته لها، وتغلغله في أعماقها.

وقد تجلى هذا في كثير من كتبه ورسائله، ولا سيما: حديث مع الغرب.. ماذا خسر العالم .. الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية. أحاديث صريحة في أمريكا.. محاضرة “الإسلام والغرب” في أوكسفورد.

10.  نقد الفكرة القومية والعصبيات الجاهلية

والركيزة العاشرة: نقد ما شاع في العالم العربي الإسلامي كله، من التنادي بفكرة “القومية” القائمة على إحياء العصبيات الجاهلية، بعد ما أكرم الله به هذه الأمة من الأخوة الإسلامية، والإيمان بالعالمية، والبراءة من كل من دعا إلى عصبية، أو قاتل على عصبية أو مات على عصبية، وأشد ما آلمه: أن تتغلغل هذه الفكرة بين العرب الذين هم عصبة الإسلام، وحملة رسالته، وحفظة كتابه وسنته، وهو واحد منهم نسبًا وفكرًا وروحًا.

لذا وقف في وجه “القومية العربية” العلمانية المعادية للإسلام، المفرقة بين المسلمين، والتي اعتبرها بعضهم “نبوة جديدة” أو “ديانة جديدة” تجمع العرب على معتقدات ومفاهيم وقيم غير ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم الذي هدى الله به أمة العرب، وجمعهم به من فرقة، وأخرجهم من الظلمات إلى النور. وهو رغم رفضه للقومية، لا ينكر فضل العرب ودورهم وريادتهم، بل هو يستنهض العرب في محاضراته ورسائله وكتبه للقيام بمهمتهم، والمناداة بعقائدهم ومبادئهم في وجه العالم: “محمد رسول الله روح العالم العربي” ويوجه رسالة عنوانها: اسمعوها مني صريحة أيها العرب. ورسائل أخرى: العرب والإسلام.. الفتح للعرب المسلمين. اسمعي يا مصر.. اسمعي يا سورية.. اسمعي يا زهرة الصحراء (يعني: الكويت).. كيف ينظر المسلمون إلى الحجاز وجزيرة العرب؟ .. كيف دخل العرب التاريخ.. العرب يكتشفون أنفسهم: تضحية شباب العرب … إلى آخره.

11.  تأكيد عقيدة ختم النبوة ومقاومة الفتنة القاديانية

والركيزة الحادية عشرة: هي تأكيد “عقيدة ختم النبوة” وهي عقيدة معلومة من الدين بالضرورة لدى المسلمين طوال القرون الماضية، ولم يثر حولها أي شك أو شبهة، وإنما أوجب تأكيد هذه العقيدة: ظهور الطائفة القاديانية بفتنتهم الجديدة التي اعتبرها الشيخ “ثورة على النبوة المحمدية”.

ولقد كتب في هذه القضية ما كتب من مؤلفات ومقالات، ولكن الشيخ شعر بمسئوليته الخاصة إزاءها؛ فكتب في بيان أهمية ختم النبوة: في اعتبارها تكريمًا للإنسانية بأنها “بلغت الرشد”، وأنها انتهت إلى الدين الكامل الذي يضع الأسس والأصول، ويترك التفصيلات للعقل البشري، الذي يولد ويستنبط في ضوء تلك الأصول ما تحتاج إليه المجتمعات في تطورها المستمر، وهي تغلق الباب على المتنبئين الكذابين، وتمنع فوضى الدعاوى الكاذبة المفترية على الله تعالى.

وقد أكد الشيخ ذلك في فصل من كتابه “النبوة والأنبياء” عن محمد خاتم النبيين، ثم ألف كتابًا عن “النبي الخاتم”، وجعل السيرة النبوية للأطفال بعنوان سيرة “خاتم النبيين”، ثم صنف كتابًا خاصًا عن “القادياني والقاديانية” تضمن دراسة وتحليلاً لشخصية “غلام أحمد” ودعوته، ونشأته في أحضان الاستعمار الإنجليزي، واعترافه المتكرر بذلك في رسائله وكتاباته، ودعوته المسلمين إلى طاعة الإنجليز، وإلغاء الجهاد، وبيّن الشيخ الندوي بكل صراحة: أننا -مع القاديانة – في مواجهة دين إزاء دين، وأمة إزاء أمة. كما اشتد نكيره عليهم في تحريفهم للقرآن، وتلاعبهم باللغة العربية، وهذا الكتاب مرجع علمي موثق بالأدلة من مصادرها القاديانية ذاتها.

12.  مقاومة الردة الفكرية

والركيزة الثانية عشرة: هي مقاومة الردة الفكرية التي تفاقم خطرها بين العرب والمسلمين عامة، والمثقفين منهم خاصة. فكما قاوم الشيخ الردة الدينية التي تمثلت في القاديانية، التي أصر علماء المسلمين كافة في باكستان على اعتبارهم أقلية غير مسلمة، لم يألُ جهدًا في محاربة هذه الردة العقلية والثقافية. ولا غرو أن جند قلمه ولسانه وعلمه وجهده في كشف زيفها، ووقف زحفها، ومطاردة فلولها، وقد ألف فيها رسالته البديعة الشهيرة “ردة ولا أبا بكر لها!”.

13.  تأكيد دور الأمة المسلمة واستمراره في التاريخ

والركيزة الثالثة عشرة: هي تأكيد دور الأمة المسلمة في هداية البشرية، والشهادة على الأمم، والقيام على عبادة الله وتوحيده في الأرض، كما أشار إلى ذلك الرسول يوم بدر “اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض”. وهذه الأمة صاحبة رسالة شاملة، وحضارة متكاملة، مزجت المادة بالروح، ووصلت الأرض بالسماء، وربطت الدنيا بالآخرة، وجمعت بين العلم والإيمان، ووفّقت بين حقوق الفرد ومصلحة المجتمع، وهذه الأمة موقعها موقع القيادة والريادة للقافلة البشرية، وقد انتفعت منها البشرية يوم كانت الأمة الأولى في العالم.. ثم تخلفت عن الركب لعوامل شتى، فخسر العالم كثيرًا بتخلفها، وهو ما عالجه كتاب “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟” الذي عرفت به الشيخ قبل أن ألقاه، والذي استقبله العلماء والدعاة والمفكرون المسلمون استقبالاً حافلاً، وقال شيخنا الدكتور محمد يوسف موسى: إن قراءة هذا الكتاب فرض على كل مسلم يعمل لإعادة مجد الإسلام!

ولا زال العلامة الندوي يبدئ ويعيد في تنبيه الأمة المسلمة على القيام بدورها الرسالي، ومهمتها التي “أُخرجت” لها، فقد أخرجها الله “للناس” لا لنفسها. وآخر إنتاجه في ذلك: محاضرته التي ألقاها في دولة قطر، بعنوان “قيمة الأمة الإسلامية بين الأمم ودورها في العالم”.

14.  بيان فضل الصحابة ومنزلتهم في الدين

والركيزة الرابعة عشر: هي بيان فضل الجيل المثالي الأول في هذه الأمة، وهو جيل الصحابة رضوان الله عليهم، أبر الناس قلوبًا، وأعمقهم علمًا، وأقلهم تكلفًا، اختارهم الله لصحبة نبيه، ونصرة دينه، وأنزل عليهم ملائكته في بدر والخندق وحنين، وهم الذين أثنى عليهم الله تعالى في كتابه في عدد من سوره، وأثنى عليهم رسوله في عدد من أحاديثه المستفيضة، وأكد ذلك تاريخهم وسيرتهم ومآثرهم، فهم الذين حفظوا القرآن، والذين رووا السنة، والذين فتحوا الفتوح، ونشروا الإسلام في الأمم، وهم تلاميذ المدرسة المحمدية، وثمار غرس التربية النبوية. وهم أولى من ينطبق عليهم قول الله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ [البقرة: 143] وقوله: “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ” [آل عمران: 110].

وهم طليعة الأمة وأسوتها في العلم والعمل، وأئمتها في الجهاد والاجتهاد، وتلاميذهم من التابعين على قدمهم، وإن لم يبلغوا مبلغهم، “خير القرون قرني ثم الذين يلونهم” فمن شكك في عظمة هذا الجيل وفي أخلاقه ومواقفه، فقد شكك في قيمة التربية المحمدية، وهي الصورة المعتمة التي رسمها الشيعة لجيل الصحابة، مناقضة الصورة المشرقة الوضيئة التي رسمها أهل السنة والجماعة، وهذا ما وضحه علامتنا في رسالته الفريدة “صورتان متضادتان” لنتائج جهود الرسول الأعظم الدعوية والتربوية، وسيرة الجيل المثالي الأول عند أهل السنة والشيعة الإمامية.

15.  التنويه بقضية فلسطين وتحريرها

والركيزة الخامسة عشر: هي التنويه بقضية فلسطين فقضية فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، ولا العرب وحدهم، بل هي قضية المسلمين جميعًا، فلا بد من إيقاظ الأمة لخطرها، وتنبيهها على ضرورة التكاتف لتحريرها، واتخاذ الأسباب، ومراعاة السنن المطلوبة لاستعادتها. وليست هذه أول مرة تحتل فلسطين من قبل أعداء الدين والأمة، فقد احتلت أيام الحروب الصليبية نحو مائة عام، وأسر المسجد الأقصى تسعين سنة كاملة، حتى هيأ الله لهذا الأمة رجالا أفذاذًا، جددوا شباب الأمة بالإيمان، وإحياء روح الكفاح ومعنى الجهاد في سبيل الله، مثل: نور الدين وصلاح الدين، الذي أشاد به الشيخ الندوي كثيرًا في كتبه ورسائله.

ولا سبيل إلى تحرير فلسطين إلا بهذا الطريق، وعلى نفس هذا المنهاج: تجميع الأمة على الإسلام، وتجديد روحها بالإيمان، وتربية رجالها على الجهاد، وقد كتب في ذلك الشيخ مثالات ورسائل، أظهرها “المسلمون وقضية فلسطين”.

16.  العناية بالتربية الإسلامية الحرة

والركيزة السادسة عشرة: هي العناية بالتربية الإسلامية الحرة التي لا تستمد فلسفتها من الغرب ولا من الشرق، إنما تستمد فلسفتها من الإسلام: عقيدة وشريعة وقيمًا وأخلاقًا، في حين تقتبس وسائلها وآلياتها من حيث شاءت، في إطار أصولها المرعية، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها. وهو ينكر على التعليم القديم طرائقة في العناية بالألفاظ والجدليات، كما ينكر على التعليم الحديث إغفاله للروح وأهداف الحياة، وينقل عن إقبال قوله: أن التعليم الحديث لا يعلم عين الطالب الدموع، ولا قلبه الخشوع!

ولقد أولى شيخنا جانب التربية اهتمامًا بالغًا، لأنها هي التي تصنع أجيال المستقبل، والتهاون فيها تعاون في الثورة البشرية للأمة، وقد نقل الشيخ عن بعض شعراء الهند: أن فرعون كان يكفيه عن تذبيح بني إسرائيل: أن ينشئ لهم كلية يكيف عقولهم فيها كما يريد، ولكنه كان غبيًا.

كتب الشيخ في ذلك رسائل، أبرزها: التربية الإسلامية الحرة، كما ناقش كثيرًا من قضايا التربية في كتابه: “كيف ينظر المسلمون إلى الحجاز وجزيرة العرب؟”. كما شارك الشيخ بنفسه في هذا المجال علمًا وعملاً.

17.  العناية بالطفولة والنشئ

والركيزة السابعة عشرة: هي (العناية بالطفولة، والكتابة للأطفال والناشئين) بوصفهم رجال الغد، وصناع تاريخ الأمم. وقد التفت الشيخ إلى هذا الأمر الخطير، وهو في الثلاثينات من عمره، وكتب مجموعة من قصص النبيين للأطفال، في لغة سهلة، وأسلوب عذب، وطريقة شائقة، مضمنًا إياها ما يحب من المعاني والقيم، ومن الدروس والعبر، ومن العقائد والمثل، حتى قال بعض العلماء: أها “علم توحيد” جديد للأطفال، وأثنى عليها أديب كبير كالشهيد سيد قطب مارس هذا العمل أيضا. وبعد ثلاثين سنة أو أكثر عاد فأكمل قصص الأنبياء، وختمها بسيرة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، كما أنشأ مجموعة “قصص من التاريخ الإسلامي” للأطفال أيضًا، وقال: أنه يرجو أن ينال بهذه الخطوة تقدير رجال التربية، وأن تليها خطوات، وتؤلف مجموعات.

18.  إعداد العلماء والدعاة الربانيين المعاصرين

والركيزة الثامنة عشرة: هي العمل الدؤوب لإعداد العلماء والدعاة الربانيين، الذين يجمعون بين المعرفة الإسلامية، والرؤية العصرية، مع الغيرة الإيمانية والأخلاق الربانية، وهذا ما اجتهد الشيخ في أن يسهم فيه بنفسه عن طريق التدريس في “دار العلوم” ثم عن طريق تطوير المناهج، وعن طريق وضع المقررات والكتب الدراسية، ثم عن طريق الاشتراك في مجالس الجامعات والمؤسسات التعليمية في الهند ، وفي غيرها، مثل المجلس الأعلى للجامعات الإسلامية بالمدينة المنورة.

وهو يرى أن المسلمين أحوج ما يكونون اليوم إلى الداعية البصير، والعالم المتمكن، الذي إذا استقضى قضى بحق، وإذا استفتى أفتى على بينة، وإذا دعا إلى الله دعا على بصيرة.

19.  ترشيد الصحوة والحركات الإسلامية

والركيزة التاسعة عشرة: هي ترشيد الصحوة الإسلامية، التي يشهدها العالم الإسلامي، بل يشهدها المسلمون في كل مكان، حتى خارج العالم الإسلامي، حيث توجد الأقليات والجاليات الإسلامية في أوربا والأمريكتين والشرق الأقصى وغيرها. وهي صحوة عقول وقلوب وعزائم، ولكن يُخشى على الصحوة من نفسها أكثر من غيرها. فتتآكل من الداخل، قبل أن تضرب من الخارج.

وأعظم ما يُخشى على الصحوة: الغلو والتشديد في غير موضعه، والتمسك بالقشور وترك اللباب، والاشتغال الزائد بالجزئيات والخلافيات، وسوء الظن بالمسلمين إلى حد التأثيم والتضليل، بل التكفير. والشيخ بطبيعته رجل معتدل في تفكيره، وفي سلوكه وفي حياته كلها: فهو قديم جديد، وهو تراثي وعصري، وهو سلفي وصوفي، ثابت ومتطور، في لين الحرير وصلابة الحديد. وهكذا يريد لجيل الصحوة أن يكون. لم يقيد الشيخ الندوي نفسه بالالتزام بجماعة معينة، فقد بقى حرًا، يشرف على الجماعات من خارجها، فيرى من نواقصها ما لا يراه أعضاؤها، ويبصر نقاط ضعفها، فيوجه وينصح، وينقد ويسدد، ولعل في ذلك خيرًا. كما لا يدخر وسعًا في النصح لحكام المسلمين وزعمائهم ما وجد إلى ذلك سبيلا. وخصوصًا أنه لا يطمع في شئ من أحد منهم.

20.  دعوة غير المسلمين

وآخر هذه الركائز وهي المكملة للعشرين: دعوة غير المسلمين للإسلام، استكمالاً لما قامت به الأمة في العصور الأولى، وقد ساهم الشيخ في ذلك منذ عهد مبكر – وهو ابن الثانية والعشرين – بدعوة الدكتور أمبيدكر – زعيم المنبوذين- إلى الإسلام، ورحلته إليه في بومباي.

وهو يرى أن فضل الأمة الإسلامية على غيرها في قيامها بواجب الدعوة إلى الله، وأن البشرية اليوم – رغم بلوغها ما بلغت من العلم المادي والتطور التكنولوجي – أحوج ما تكون إلى رسالة الإسلام ، حاجة الظمآن إلى الماء، والسقيم إلى الشفاء، والأمة الإسلامية هي وحدها التي تملك قارورة الدواء، ومضخة الإطفاء

 

الأوسمة: , , , , , , ,

سطور هامة من مقدمة المجموع للإمام النووى…

سؤال بالغ الأهمية يجب أن يطرح بين يدى السطور التالية المقتبسة من مقدمة المجموع للإمام النووى: ما هى مرتبة دعاة “مذهب أهل الحديث” المعاصرين بين مراتب الإفتاء الخمسة التى نص عليها الإمام النووى ؟ هذه المراتب ، باختصار ، هى: المجتهد المطلق المستقل الذى يستقل بالكلام فى كل المسائل بدون تقليد لأحد ، المفتى المنتسب لأحد المذاهب الأربعة بغير تقليد لإمام المذهب فى الأدلة ولا فى الأحكام ، المفتى المنتسب لأحد المذاهب الأربعة المتقيد بأدلة الإمام وقواعده ، المفتى المنتسب لأحد المذاهب الأربعة المتقيد بمذهب إمامه بالكلية ، المفتى المنتسب لأحد المذاهب الأربعة مع إجادته للمذهب من حيث الأحكام وضعفه من حيث الأدلة والأصول والأقيسة

وهذا هو تفصيل مراتب الإفتاء من مقدمة المجموع

—-

قال أبو عمر والمفتون قسمان مستقل وغيره ، (فالمستقل) شرطه مع ما ذكرنا:

1-    أن يكون قيما بمعرفة أدلة الاحكام الشرعية من الكتاب والسنة والاجماع والقياس وما التحق بها على التفصيل وقد فصلت في كتب الفقه فتيسرت ولله الحمد

2-    أن يكون عالما بما يشترط في الادلة ووجوه دلالتها وبكيفية اقتباس الاحكام منها وهذا يستفاد من أصول الفقه

3-    عارفا من علوم القرآن والحديث والناسخ والمنسوخ والنحو واللغة والتصريف واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذى يتمكن معه من الوفاء بشروط الادلة والاقتباس منها

4-     ذا دربة وارتياض في استعمال ذلك

5-    عالما بالفقه ضابطا لامهات مسائله وتفاريعه

فمن جمع هذه الاوصاف فهو المفتى المطلق المستقل الذى يتأدى به فرض الكفاية وهو المجتهد المطلق المستقل لانه يستقل بالادلة بغير تقليد وتقيد بمذهب أحد.

قال أبو عمرو وما شرطناه من حفظه لمسائل الفقه لم يشترط في كثير من الكتب المشهورة لكونه ليس شرطا لمنصب الاجتهاد لان الفقه ثمرته فيتأخر عنه وشرط الشئ لا يتأخر عنه: وشرطه الاستاذ أبو إسحق الاسفراينى وصاحبه أبو منصور البغدادي وغيرهما. واشتراطه في المفتى الذي يتأدى به فرض الكفاية هو الصحيح وان لم يكن كذلك في المجتهد المستقل. ثم لا يشترط أن يكون جميع الاحكام على ذهنه بل يكفيه كونه حافظا المعظم متمكنا من ادراك الباقي على قرب.

وهل يشترط أن يعرف من الحساب ما يصحح به المسائل الحسابية الفقهية ؟ حكى أبو اسحق وابو منصور فيه خلافا لاصحابنا والاصح اشتراطه. ثم انما نشترط اجتماع العلوم المذكورة في مفت مطلق في جميع أبواب الشرع فأما مفتٍ في باب خاص كالمناسك والفرائض يكفيه معرفة ذلك الباب كذا قطع به الغزالي وصاحبه ابن برهان بفتح الباء وغيرهما ومنهم من منعه مطلقا وأجازه ابن الصباغ في الفرائض خاصة والاصح جوازه مطلقا *

(القسم الثاني) المفتى الذى ليس بمستقل ومن دهر طويل عدم المفتى المستقل وصارت الفتوى إلى المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة

وللمفتى المنتسب أربعة أحوال:

1. أحدها أن لا يكون مقلدا لامامه لا في المذهب ولا في دليله لا تصافه بصفة المستقل وانما ينسب إليه لسلوكه طريقه في الاجتهاد وادعى الاستاذ أبو إسحق هذه الصفة لاصحابنا فحكى عن اصحاب مالك رحمه الله واحمد وداود واكثر الحنفية انهم صارو إلى مذاهب ائمتهم تقليدا لهم ثم قال والصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه اصحابنا وهو انهم صاروا إلى مذهب الشافعي لا تقليدا له بل لما وجدوا طرقه في الاجتهاد والقياس أسد الطرق ولم يكن لهم بد من الاجتهاد سلكوا طريقه فطلبوا معرفة الاحكام بطريق الشافعي: وذكر أبو على السنجى بكسر السين المهملة نحو هذا فقال اتبعنا الشافعي دون غيره لأننا وجدنا قوله ارجح الاقوال وأعدلها لا انا قلدناه (قلت) هذا الذي ذكراه موافق لما امرهم به الشافعي ثم المزني في اول مختصره وغيره بقوله مع اعلامية نهيه عن تقليده وتقليد غيره: قال أبو عمرو دعوى انتفاء التقليد عنهم مطلقا لا يستقيم ولا يلائم المعلوم من حالهم أو حال اكثرهم: وحكى بعض اصحاب الاصول منا انه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل * ثم فتوى المفتى في هذه الحالة كفتوى المستقل في العمل بها والاعتداد بها في الاجماع والخلاف

2. (الحالة الثانية) أن يكون مجتهدا مقيدا في مذهب امامه مستقلا بتقرير اصوله بالدليل غير انه لا يتجاوز في ادلته اصول امامه وقواعده: وشرطه كونه

2.1. عالما بالفقه واصوله وادلة الاحكام تفصيلا

2.2. بصيرا بمسالك الاقيسة والمعاني

2.3. تام الارتياض في التخريج والاستنباط

2.4. قيما بالحاق ما ليس منصوصا عليه لامامه باصوله.

ولا يعرى عن شوب تقليد له لا خلافه ببعض أدوات المستقل بان يخل بالحديث أو العربية وكثيرا ما أخل بهما المقيد ثم يتخذ نصوص امامه أصولا يستنبط منها كفعل المستقل بنصوص الشرع: وربما اكتفى في الحكم بدليل إمامه ولا يبحث عن معارض كفعل المستقل في النصوص. وهذه صفة أصحابنا أصحاب الوجوه وعليها كان أئمة أصحابنا أو اكثرهم. والعامل بفتوي هذا مقلد لامامه لا له ثم ظاهر كلام الاصحاب ان من هذا حاله لا يتأدى به فرض الكفاية. قال أبو عمرو ويظهر تأدى الفرض به في الفتوى وان لم يتأد في احياء العلوم التى منها استمداد الفتوى لانه قام مقام إمامه المستقل تفريعا على الصحيح وهو جواز تقليد الميت ثم قد يستقل المقيد في مسألة أو باب خاص كما تقدم. وله ان يفتى فيما لا نص فيه لامامه بما يخرجه على أصوله هذا هو الصحيح الذى عليه العمل واليه مفزع المفتين من مدد طويلة ثم إذا أفتى بتخريجه فالمستفتي مقلد لامامه لا له هكذا قطع به إمام الحرمين في كتابه الغياثى وما أكثر فوائده.
قال الشيخ ابو عمرو وينبغى ان يخرج هذا على خلاف حكاه الشيخ أبو اسحاق الشيرازي وغيره ان ما يخرجه أصحابنا هل يجوز نسبته إلى الشافعي والاصح انه لا ينسب إليه: ثم تارة يخرج من نص معين لامامه وتارة لا يجده فيخرج على أصوله بان يجد دليلا على شرط ما يحتج به إمامه فيفتى بموجبه فان نص امامه على شئ ونص في مسألة تشبهها على خلافه فخرج من أحدهما إلى الآخر سمى قولا
مخرجا وشرط هذا التخريج أن لا يجد بين نصيه فرقا فان وجده وجب تقريرهما على ظاهرهما: ويختلفون كثيرا في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق * (قلت) وأكثر ذلك يمكن فيه الفرق وقد ذكروه

3. (الحالة الثالثة) ان لا يبلغ رتبة أصحاب الوجوه لكنه فقيه النفس حافظ مذهب إمامه عارف بادلته قائم بتقريرها يصور ويحرر ويقرر ويمهد ويزيف ويرجح لكنه قصر عن أولئك لقصوره عنهم في حفظ المذهب أو الارتياض في الاستنباط أو معرفة الاصول ونحوها من أدوانهم. وهذه صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المائة الرابعة المصنفين الذين رتبوا المذهب وحرروه وصنفوا فيه تصانيف فيها معظم اشتغال الناس اليوم ولم يلحقوا الذين قبلهم في التخريج وأما فتاويهم فكانوا يتبسطون فيها تبسط اولئك أو قريبا منه ويقيسون غير المنقول عليه غير مقتصرين على القياس الجلى ومنهم من جمعت فتاويه ولا تبلغ في التحاقها بالمذهب مبلغ فتاوى أصحاب الوجوه.

4. (الحالة الرابعة) ان يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في الواضحات والمشكلات ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من نصوص امامه وتفريع المجتهدين في مذهبه وما لا يجده منقولا ان وجد في المنقول معناه بحيث يدرك بغير كبير فكر انه لا فرق بينهما جاز الحاقه به والفتوى به: وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط ممهد في المذهب وما ليس كذلك يجب امساكه عن الفتوى فيه ومثل هذا يقع نادرا في حق المذكور إذ يبعد كما قال امام الحرمين ان تقع مسألة لم ينص عليها في المذهب ولا هي في معنى المنصوص ولا مندرجة تحت ضابط: وشرطه كونه فقيه النفس ذا حظ وافر من الفقه.

قال أبو عمرو وان يكتفى في حفظ المذهب في هذه الحالة والتى قبلها بكون المعظم على ذهنه ويتمكن لدربته من الوقوف على الباقي على قرب

 

هذه أصناف المفتين وهي خمسة وكل صنف منها يشترط فيه حفظ المذهب وفقه النفس فمن تصدى للفتيا وليس بهذه الصفة فقد باء بأمر عظيم

كتاب المجموع للإمام النووى ، طبعة مكتبة الإرشاد بالسعودية ، الجزء الأول صفحة 75 إلى 78

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

تعليق حول مسألة نجاسة الخمر

مرر أحد الإخوة الأعزاء – بناءاً على طلبى ورغبته – التدوينة السابقة المتعلقة بنجاسة الخمر إلى أحد مشايخ الأزهر الفاضلين ، وهو متخصص فى علم الحديث الشريف ، وقد تفضل فضيلته بالتعليق على هذا المقال فى رسالة عرضها علىّ صديقى ، واتسم رد فضيلة الشيخ ببعض الحدة التى ربما قد أثارتها عباراتى عن “مذهب أهل الحديث” ، وظهرت الحدة بوضوح فى عدد علامات التعجب التى سطرها فضيلة الشيخ تعقيبا على كلامى… كما تضمن الرد أيضا تضعيفاً للرواية من جهة راويها وهو سيف بن عمر التميمى ، وتضمنت رسالته أيضاً نصيحة ثمينة أشكر فضيلته عليها…وإذا حدث وقام فضيلة الشيخ بقراءة هذا التعليق أو غيره مما أكتبه على مدونتى فإنى أرجوه ألا يحرمنا من علمه وتعليقه على مايراه صواباً أو غير ذلك

ولاختصارالموضوع فالذى اتضح أن سيف بن عمر التميمى ليس ضعيفاً فى رواية التاريخ ، كما أثبت ذلك الدكتور أحمد معبد عبد الكريم ، الأستاذ بجامعتى الملك سعود والأزهر ، فى بحثه المطول والذى هو بعنوان “سيف بن عمر التميمى حاله ومروياته” ، والذى يمكن مطالعته كاملا على هذا الرابط ، وبالتالى فيمكن الإحتجاج بتلك الرواية كما احتج الحافظ ابن حجر بروايات سيف بن عمر التاريخية 263 مرة فى كتابه “الإصابة فى تمييز الصحابة” كما ذكر ذلك الدكتور أحمد معبد فى دراسته نقلا عن بحث للدكتور شاكر عبد المنعم تناول فيه مصادر الحافظ بن حجر العسقلانى ورواته

** وبالإضافة إلى هذا ، وبعيدا عن سيف بن عمر التميمى ، فإن هذه الرواية التى تتعلق بموقف عمر بن الخطاب من نجاسة الخمر ورسالته إلى خالد بن الوليد قد أوردها خليفة بن خياط -رحمه الله – (ت 240 هــ) فى تاريخه من طريق آخر عن وكيع بن الجراح عن ثور عن عبد الرحمن بن عائذ ، وأضاف إليها تعيين مكان الحمام بآمد

** وأورد صاحب كنز العمال نفس الرواية بألفاظ أخرى ومن غير طريق ، فرواها من طريق سليمان بن موسى الدمشقى ورواها نقلا عن سيف بن عمر أيضا ولكن من طريق أبى عثمان والربيع وأبى حارثة…وذكر الحافظ السيوطى فى الحاوى نفس الرواية من طريق أبى عثمان والربيع وأبى حارثة فى باب “الأخبار المأثورة فى الإطلاء بالنورة” فصل ذكر آثار الصحابة فمن بعدهم

المهم أن هذا النقاش قد أثار قضية التمذهب مرة أخرى ، ففضيلة الشيخ قد علق على إنتقادى لما يسمى “بمذهب أهل الحديث” تعليقا شديداً ، وهذا التعليق قد أثار فى ذهنى أسئلة عديدة كنت قد طرحتها من قبل على هذه المدونة عند عرض بعض فقرات من رسالة الحافظ بن رجب الحنبلى المعنية بالرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة ، هذه الأسئلة تتعلق تحديدا بماهية “مذهب أهل الحديث” ، وتاريخ نشأته وأئمته وكتبه ومصادره…فالواضح تماما أن مذهب أهل الحديث هذا ليس كغيره من المذاهب الأربعة له أصول كلية يستنبط من خلالها أحكام فرعية من الأدلة الصحيحة الراجحة ، ولكنه مذهب قائم على الإنتقاء من أقوال العلماء بدون تقيد بمذهب كل عالم ولا بالأصول التى استنبط من خلالها تلك الأقول ، وإلا فالأسئلة التالية تطرح نفسها إذا قلنا بعكس ذلك:

- من هو مؤسس مذهب أهل الحديث ؟

- ما هى الأصول الكلية (أصول الفقه) لهذا المذهب ؟

- من حرر مسائل المذهب ؟ وما هى كتبه ؟

فإذا سلمنا أن “مذهب أهل الحديث” قائم على أصل واحد هو الإنتقاء بين الأقوال المختلفة للأئمة الأربعة (أو غيرهم) ، أصبح من الواجب أن نحصر كيفية هذا الإنتقاء…فبالتأكيد إن الدعاة الذين يحملون راية هذا المذهب هم من شرفاء الأمة ووجهائها ، ولاهم لهم سوى إعلاء كلمة الحق والدين وكذلك نحسبهم جميعا ولا نزكيهم على الله ، فكيف ينتقون من الأقوال بما يحفظ لهم تلك الصفات إذا ؟

بداية فإن العلماء والدعاة الذين يحملون راية مذهب أهل الحديث ليس لهم مذهب من المذاهب الأربعة يتقيدون به ، وليس فى هذا شئ بالتأكيد إذا عملوا باجتهادهم لأنفسهم فقط ، المشكلة هى أنهم لا يدعون عامة الناس إلى اتباع أحد المذاهب الأربعة ، بل على العكس يدعون العامة لأحد طريقين ، الطريق الأول أن يصبح كل واحد من العامة مجتهد يرجح الأقوال وينتقى منها ، وهذا مستحيل بطبيعة الحال ، والطريق الثانى أن يصبح العامة أتباع لهم ، يسألونهم فى كل المسائل والأحكام ، وبهذا يكونوا قد نصبوا أنفسهم مكان الأئمة الأربعة وأندادا لهم ، ولا أعتقد أن هناك من يدعو الناس إلى إتباعه شخصياً ، على الأقل فى مصر

فإن كان دعاة “مذهب أهل الحديث” يريدون لشباب الصحوة أن يصبحوا كلهم مجتهدين علماء ، فهذا أمل على عظمه وعلوّه إلا أنه مستحيل ، فأين كانت مثل هذه الدعوة فى التاريخ ؟! الدولة الأيوبية استمدت شرعيتها وقوتها الدينية من المدارس الدينية بالشام والتى كانت تدرس مذهب الشافعى رضى الله عنه ، والدولة العثمانية استمدت شرعيتها من التزامها بمذهب الأحناف وإقامته والعمل على نشره ، والغزنويون كذلك ، حتى دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كانت تستمد عزمها الدينى من مذهب الإمام أحمد رحمه الله سواءا فى العقيدة أو الفقه…التاريخ لا يذكر لنا أبدا حركة إسلامية كان كل أفرادها مجتهدون مستقلون غير مقلدين لمذهب واحد ، فهل يطمح مشايخنا إلى ذلك الآن ؟ بالإضافة إلى ذلك ، فإن الواقع – كما يقول الصينيون – حكاية أخرى من حكايات التاريخ ، فمن أى حقبة يستمد “مذهب أهل الحديث” جذوره التاريخية ؟ فكلنا يعرف أنه بعد ظهور الأئمة الأربعة أجمع المسلمون أن مذاهبهم هى مذاهب الحق والصواب ، والخلاف بينهم سائغ بلاريب ، لأن أصولهم مختلفة ، كما اتفق المسلمون – كما يظهر من التاريخ – على حمل العامة على أحد هذه المذاهب فقط وألا يكون للعامى حرية الإنتقاء بين الأقوال الأربعة…فهل هذا هو مايفعله دعاة “مذهب أهل الحديث الآن”…؟ أم لا؟

يقول ابن القيم “تسعة أعشار أهل الحديث من الشافعية”… فهل دعاة “مذهب أهل الحديث” من الشافعية حقا ؟

—-

هناك ثلاثة علوم من علوم الشريعة المشرفة تترابط فيما بينها بعلاقات منطقية محكمة أشبه ما تكون بالعلاقات التى تربط بين الكواكب وبعضها البعض ، أو بين الذرة والجسيمات التى تدور فى فلكها ، وهى علم الحديث وعلم أصول الفقه وعلم الفقه ، فعلم الحديث يعنى بالتحقق من الأحاديث التى رويت عن النبى صلى الله عليه وسلم وعلم أصول الفقه يتعلق بالقواعد الكلية التى تحكم مصادر التشريع كما يتعلق بأنواع الخطاب وحجية الأدلة وما إلى ذلك ، أما الفقه فيعنى باستنباط الأحكام من الأدلة باستخدام القواعد الأصولية التى يحددها علم أصول الفقه ، فالعلاقة إذا بين هذه الثلاثة علوم يمكن تشبيها بالمجموعة الشمسية ، فالدليل أو النص هو الشمس والفقه هو الكواكب ومسارات هذه الكواكب هى أصول الفقه ، فلا يمكن أن يسير كوكب حول الشمس بغير أن يتقيد بمدار محدد لا بديل له، كما لا يمكن أن يستنبط حكم من دليل بلا قاعدة أصولية ، وكذلك لا يمكن أن يسير الكوكب فى مساره إذا كانت الشمس غير موجودة ، فعندها ستنعدم قوى التجاذب وينهار المدار ، كذلك إذا كان الدليل لا يحتج به فالحكم المستنبط منه يكون باطلاً….

إذا قبلنا هذا التشبيه ، من الناحية الفلسفية بالطبع ، فإننا يمكننا أن نطرح طرحا يتعلق بالإختلاف فيما بين القواعد الأصولية بالنسبة للأدلة ، كما تختلف مسارات الكواكب بالنسبة للشمس…أما إذا لم يقبل القارئ هذا التشبيه فيمكنه التوقف عند هذا الحد من المقال

كل كوكب من كواكب المجموعة الشمسية له مسار مختلف عن الكواكب الأخرى بالنسبة للشمس ، وطبعا هذه المعلومة حقيقة علمية لا تحتاج لإثبات أو مرجع ، كذلك فإن كل مذهب له قواعد أصولية تختلف عن المذاهب الثلاثة الأخرى ، وإذا تشابهت مسارات الكواكب قليلا أو كثيرا فكذلك قد تتشابه الأصول الفقهية بين المذاهب قليلا أو كثيرا ، فكما نرى التباين الكبير بين أصول أحمد بن حنبل واصول الإمام أبو حنيفة نرى التشابه الواضح بين أصول الشافعى وبين أصول أحمد بن حنبل ، رضى الله عنهم جميعاً ، وتتفق الأحكام أو تختلف من مذهب إلى آخر بمقدار التباين بين أصول تلك المذاهب ، ولكن يكاد يكون من المستحيل أن نجزم أن أصول المذاهب الأربعة واحدة ، كما يكون من المستحيل أن نجزم أن مسارات الكواكب واحدة ، على الرغم من أن الدليل الذى يستند إليه المذاهب الأربعة فى مسألة ما – على سبيل المثال – قد يكون واحداً ، كما أن الشمس هى نجم واحد ترجع كل المدارات إليه…فبالرغم من وحدة الدليل وكونه صحيحا راجحا إلا أن الحكم الذى يستنبط منه يكون مختلفا من مذهب إلى آخر ، هذه هى الحالة العامة

الحالة الخاصة أنه قد يمر مدار كوكب ما قريبا جدا – بمقاييس المجموعة الشمسية بالطبع – بمدار كوكب آخر ، فيمكن القول عند هذه اللحظة أن الكوكبين لهما نفس المدار “تقريباً” كدلك فإن الحالة الخاصة فى الفقه أن يستنبط حكمين من دليل واحد بقاعدتين متقاربتين فيمكن القول حينئذ أن الحكمين “متفقين” ، ولكن يجب الإتفاق على أن هذه هى الحالة الخاصة إذ أن أصوال المذاهب الأربعة فى الغالب مختلفة

إذا يمكن القول أن الشخص الذى يتبع مذهبا واحدا كالكوكب الذى يسير على مدار واحد ، يقوم الإنسان باتباع اللأحكام التى تم استنباطها من أدلة صحيحة – بحكم مذهبه – من خلال القواعد الأصولية التى وضعها إمام هذا المذهب والذى هو التبعية أحد الأئمة الأربعة ، فهل هذا هو ما يقصده دعاة “مذهب أهل الحديث” ؟ إذا كان هذا ما يقصدونه فلا خلاف بيننا على الإطلاق

أما ما يحدث وما نراه على الساحة الدعوية السلفية فى مصر وغيرها أن بعض الدعاة والمشايخ يقومون بانتقاء – وأقول إنتقاء – الأحكام بناءا على رؤيتهم الشخصية “لرجاحة” الحكم بصرف النظر عن القاعدة الأصولية التى استنبط منها الحكم ، وفى أغلب الأحيان يقومون بهذا الإنتقاء بناءاً على الدليل فقط ، أعنى أن الواحد ينظر إلى ثلاثة أحكام من ثلاثة مذاهب مثلا ، ويحدد دليل كل حكم ثم يرجع إلى كتب الحديث والرجال  ، ويحدد أى الأدلة أصح ثم ينتقى الحكم المستنبط من هذا الدليل بغير عناء ! وبهذا يكون قد وقع فى الأخطاء التالية:

- أولا فى هذه الحالة يكون قد قلد المذهب الذى تابع حكمه بينما هو يدعى الإجتهاد ويحارب تقليد المذاهب

- ثانيا يكون قد أهمل تأثير مذهب المحدث على حكمه على الحديث ، فعلى سبيل المثال نرى الإمام النووى رضى الله عنه يجاهد لتصحيح الأحاديث التى يستدل بها الشافعية ، بينما قد يضعفها بعضا من علماء الحنابلة

- ثالثا يكون قد أهمل التحقق من صحة القاعدة الأصولية التى استنبط بها الحكم من الدليل وأهمل إحتمال تعارضها مع بعض القواعد الأخرى التى قد يستند إلى أحكام بنيت عليها فى مسائل أخرى

فإذا ادعى أحد من الدعاة المعاصرين بأنه يأخذ فى الإعتبار كل هذه الأمور فى كل مسألة يدرسها ، وفى كل حكم يرجحه ، فلا يرد عليه إلا بكلام الحافظ ابن رجب الحنبلى الذى سبق وذكرته على هذه الصفحات ، وأذكر طرفاً منه مرة أخرى للفائدة:

كان ذلك يريحهم عن أن يتكلم أحدهم بغير علم، أو ينصب نفسه للكلام وليس هو لذلك بأهل. ثم قل الدين والورع، وكثر من يتكلم في الدين بغير علم ومن ينصب نفسه لذلك وليس هو له بأهل. فلو استمر الحال في هذه الأزمان المتأخرة على ما كان عليه في الصدر الأول بحيث أن كل أحدٍ يفتي بما يدعي أنه يظهر له أنه الحق؛ لاختل به نظام الدين لا محالة، ولصار الحلال حراماً والحرام حلالاً. ولقال كل من شاء ما يشاء، ولصار ديننا بسبب ذلك مثل دين أهل الكتابين من قبلنا. فاقتضت حكمة الله – سبحانه – أن ضبط الدين وحفظه: بأن نصب للناس أئمة مجتمعاً على علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية المقصودة في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى،من أهل الرأي والحديث.

فصار الناس كلهم يعولون في الفتاوى عليهم، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم.

وأقام الله من يضبط مذاهبهم ويحرر قواعدهم، حتى ضبط مذهب كل إمام منهم وأصوله وقواعده وفصوله، حتى ترد إلى ذلك الأحكام ويضبط الكلام في مسائل الحلال والحرام.

وكان ذلك من لطف الله بعباده المؤمنين، ومن جملة عوائده الحسنة في حفظ هذا الدين.

ولولا ذلك: لرأى الناس العجاب، من كل أحمق متكلف معجبٍ برأيه جريء على الناس وثاب.

فيدعي هذا أنه إمام الأئمة، ويدعي هذا أنه هادي الأمة وأنه هو الذي ينبغي الرجوع دون الناس إليه والتعويل دون الخلق عليه.

ولكن بحمد الله ومنته انسد هذا الباب الذي خطره عظيم وأمره جسيم، وأن حسمت هذه المفاسد العظيمة وكان ذلك من لطف الله – تعالى – لعباده وجميل عوائده وعواطفه الحميمة. ومع هذا فلم يزل يظهر من يدعي بلوغ درجة الاجتهاد، ويتكلم في العلم من غير تقليدٍ لأحد من هؤلاء الأئمة ولا انقياد.

فمنهم من يسوغ له ذلك لظهور صدقه فيما ادعاه، ومنهم من رد عليه قوله وكذب في دعواه. وأما سائر الناس ممن لم يصل إلى هذه الدرجة فلا يسعه إلا تقليد أولئك الأئمة، والدخول فيما دخل فيه سائر الأمة.

>>>فإن قال أحمق متكلف: كيف يحصر الناس في أقوال علماء متعينين ويمنع من الاجتهاد أو من تقليد غير أولئك من أئمة الدين.

>>> قيل له: كما جمع الصحابة – رضي الله عنهم – الناس من القراءة بغيره في سائر البلدان؛ لما رأوا أن المصلحة لا تتم إلا بذلك، وأن الناس إذا تركوا يقرؤون على حروف شتى وقعوا في أعظم المهالك.

فكذلك مسائل الأحكام وفتاوى الحلال والحرام، لو لم تضبط الناس فيها بأقوال أئمة معدودين: لأدى ذلك إلى فساد الدين، وأن يعد كل أحمق متكلف طلبت الرياسة نفسه من زمرة المجتهدين وأن يبتدع مقالة ينسبها إلى بعض من سلف من المتقدمين؛ فربما كان بتحريف يحرفه عليهم كما وقع ذلك كثيراً من بعض الظاهريين، وربما كانت تلك المقالة زلة من بعض من سلف قد اجتمع على تركها جماعة من المسلمين. فلا تقضي المصلحة غير ما قدره الله وقضاه من جمع الناس على مذاهب هؤلاء الأئمة المشهورين – رضي الله عنهم – أجمعين.

>>>فإن قيل: الفرق بين جمع الناس على حرفٍ واحد من الحروف السبعة من أحرف القرآن وبين جمعهم على أقوال فقهاء أربعة، أن تلك الحروف السبعة كانت يقال: معناها واحد أو متقارب والمعنى حاصل بهذا الحرف، وهذا بخلاف قول الفقهاء الأربعة؛ فإنه يجوز أن يتفقوا على شيء ويكون الحق خارجاً عنهم.

>>> قيل: هذا قد منعه طائفة من العلماء، وقالوا: إن الله لم يكن ليجمع هذه الأمة على ضلالة. وفي ذلك أحاديث تعضد ذلك.

وعلى تقدير تسليمه: فهذا إنما يقع نادراً ولا يطلع عليه إلا مجتهد وصل إلى أكثر مما وصلوا إليه، وهذا أيضاً مفقود أو نادر.

وذلك المجتهد على تقدير وجوده: فرضه اتباع ما ظهر له من الحق. وأما غيره: ففرضه التقليد. وتقليد هؤلاء الأئمة سائغ بلا ريب، الإثم عليهم ولا من قلدهم ولا بعضهم.

>>> فإن قيل: فهذا يفضي إلى اتباع الأئمة على الخطأ.

>>> قيل: لا يقول القول الحق جميع الخلق، ولابد أن يكون مذموماً به أحد من المخالفين. فلم يتفق للأمة الخطأ، وأكثر ما يقع هذا إن كان واقعاً فيما قل وقوعه.

فأما المسائل التي يحتاج المسلمون إليها عموماً فلا يجوز أن يعتقد أن الأئمة المقتدى بهم في الإسلام في هذه الأعصار المستطالة اجتمعوا فيها على الخطأ؛ فإن هذا قدح في هذه الأمة وقد أعاذها الله منه.

>>> فإن قيل: نحن نسلم منع عموم الناس من سلوك طريق الاجتهاد؛ لما يفضي ذلك أعظم الفساد. لكن لا نسلم منع تقليد إمام متبع من أئمة المجتهدين غير هؤلاء الأئمة المشهورين.

>>> قيل: قد نبهنا على علة المنع من ذلك وهو أن مذاهب غير هؤلاء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها بخلاف هذه المذاهب المشهورة.

>>> فإن قبل: فما تقولون في مذهب إمام غيرهم قد دون مذهبه وضبط وحفظ كما حفظ مذاهب هؤلاء.

قيل: أولا: هذا لا يعلم وجوده الآن. وإن فرض وقوعه الآن وسلم جواز اتباعه والانتساب إليه، فإنه لا يجوز ذلك إلا لمن أظهر الانتساب إليه والفتيا بقوله والذب عن مذهبه. فأما من أظهر الانتساب إلى بعض الأئمة المشهورين وهو في الباطن منتسب إلى غيرهم معتقد لمذهب سواه: فهذا لا يسوغ له ذلك البتة، وهو من نوع النفاق والتقية، ولا سيما من أخذ الأموال المختصة بأصحاب ذلك الإمام المشهور من الأوقاف أو غيرها. أو لبس على الناس، فأوهمهم أن ما يفتي به من مذهب من ينتسب إليه في الباطن هو مذهب ذلك الإمام المشهور. فهذا غير سائغ قطعاً، وهو تلبيس على الأمة وكذب على علماء الأمة. ومن نسب إلى أئمة الإسلام ما لم يقولوه، أو ما علم أنهم يقولون خلافه فإنه كاذب يستحق العقوبة على ذلك. وكذلك إن صنف كتاباً على مذهب إمام معين، وذكر فيه ما يعتقده من قول من ينتسب إليه في الباطن من غير نسبته إلى قائله. وكذلك لو كان الكتاب المصنف لا يختص بمذهب معين، إلا أن مصنف في الظاهر ينتسب إلى مذهب إمام معين وفي الباطن إلى غيره. فيذكر فيه أقوال من ينتسب إليه باطناً من غير بيان لمخالفتها لمذهب من ينتسب إليه ظاهراً. فكل هذا إيهام وتدليس غير جائز، وهو يقتضي خلط مذاهب العلماء واضطرابها. فإن ادعى مع ذلك الاجتهاد كان أدهى وأمر، وأعظم فساداً وأكثر عناداً؛ فعليه لا يسوغ ذلك مطلقاً إلا لمن كملت فيه أدوات الاجتهاد: من معرفة الإجماع والاختلاف، وبقية شرائط الاجتهاد المعروفة. وهذا يدعي اطلاعاً كثيراً على السنة، ومعرفة صحيحها من سقيمها، ومعرفة مذاهب الصحابة والتابعين والآثار المنقولة عنهم في ذلك. ولهذا كان الإمام أحمد يشدد أمر الفتيا، ويمنع منها من يحفظ ألف حديث ومائتي ألف حديث وأكثر من ذلك.

وعلامة صحة دعواه: أن يستقل بالكلام في المسائل كما استقل غيره من الأئمة، ولا يكون كلامه مأخوذاً من كلام غيره. فأما من اعتمد على مجرد نقل كلام غيره، إما حكماً أو حكماً ودليلاً: كان غاية جهده أن يفهمه، وربما لم يفهمه جيداً أو حرفه وغيره. فما أبعد هذا عن درجة الاجتهاد

المهم ، إذا عدنا إلى مثال الكواكب والمجموعة الشمسية ، سنجد أن دعاة “مذهب أهل الحديث” الذى ليس بمذهب خامس ولا هو من المذاهب الأربعة بالتأكيد ، أشبه ما يكون بكوكب تائه لا مدار له ، مرة يختارون أن يسيروا فى مدار كوكب الزهرة ومرة أخرى ينتقون مدارا يخص كوكب المريخ ! وبالتالى فهو ليس مذهب محرر محدد له قواعد وأصول وما للمذاهب الأخرى ، بل مذهبهم عبارة عن مجموعة كبيرة جداً من الأحكام لا يربطها ببعضها البعض سوى أن أدلتها صحيحة بالنسبة لكل مذهب أستنبط منه كل حكم ، ولكن مذهب محرر معتبر كالمذاهب الأربعة…فليس لهم ذلك ، ومن أراد إثبات غير ذلك فعليه باسماء كتب ذلك المذهب وأسماء أئمته ، والإجابة على مافى هذا المقال من أسئلة…

ظهور هذه الدعوة إلى ما يسمى “بمذهب أهل الحديث” وصرف الناس عن ماكانت عليه الشعوب الإسلامية من قبل من تقليد وإنضباط بمذاهب الأئمة الأربعة هو ما أدى إلى الفوضى الدينية الحادثة فى البلاد العربية وعلى رأسها مصر ، فلا تجد ثلة من المنتسبين للدعوة السلفية يجتمعون على كل أحكام العبادات مثلا ، مع أن ليس منهم من بلغ مرتبة الإجتهاد ولا حتى قارب عتباتها…ولهذا لا تتحرك الدعوة إلى أى مكان ، فكيف يقوم الشباب بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، أو الجهاد فى سبيل الله بأى طريق كان – مثلا – وهم لم يتقنوا أحكام الصلاة بعد ؟ ولا أحكام البيوع والصيام ؟ ولماذا لم يتقنوها …لأن مشايخهم قد صوروا لهم أنه لكى يتقن الواحد منهم الفقه فيجب عليه أن يصبح (طالب علم) أى يعرف الخلاف والأقوال وطرق الترجيح…باختصار يصبح شيخا وإماما…والشباب عاجز عن ذلك بالطبع…مع أن حركات الإصلاح لا يفترض منها أن تغرق الناس فى الجدليات والخلافات ، بل يفترض من تلك الحركات أن تجمع الناس على مذهب فقهى واحد يصلح به دينهم ويعلموه لأبنائهم ثم يتفرغوا لعمارة الأرض وإصلاح البلاد…أما أن يظلوا غارقين فى الخلاف والأقوال بحثا عن “مذهب أهل الحديث” الذى لا وجود له…فهذا لن يؤدى إلى أى نتيجة إيجابية…الهدف من كل المقال ومن كل الكلام هو أن الدعاة يفترض منهم أن يحملوا الناس على تقليد أحد المذاهب الأربعة لأن هذا كان هو منهج الحركات الإصلاحية فيما بعد القرن الثالث الهجرى…ولأنه منذ ظهور الأئمة الأربعة لم يظهر من وصل إلى مرتبة أحدهم فى الإجتهاد فأصبح من العبث البحث عن الحق بخلاف قولهم ، ويصبح أيضا من الفوضى الإنتقاء من أقوالهم كما وضحت وبينت…وفتح هذا الباب كما ذكر ابن رجب الحنبلى يجلب على المسلمين الشر واتباع الهوى أكثر مما يجلب من الحق…

يتبع إن شاء الله


 

الأوسمة: ,

 
تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 302 other followers

%d bloggers like this: