RSS

Tag Archives: مارتن لوثر

*مدخل إلي فلسفة العلوم : النشأة التاريخية وإشكاليات الواقع (2)

(تصميم مركز نماء للبحوث والدراسات)

تعرضنا في المقال السابق لأهم الأسئلة التي تسعي فلسفة العلوم للإجابة عليها ، وتوقفنا عند السؤال الثاني الذي يتعلق بحدود الفروض الصحيحة للعلم التجريبي وذلك لما طرحنا “الحتمية” كأحد الفروض الأولية[i] التي قامت عليها الفلسفة التجريبية[ii] ووضحنا كيف هدمت المدارس الحديثة لفلسفة العلوم كالوضعية المنطقية[iii] والعقلية النقدية[iv] مبدأ الحتمية ، وجدير بالذكر أن هناك خلط شائع بين مبدأي السببية[v] والحتمية لا سيما عند غير المشتغلين بالعلوم الطبيعية أو المغرقين في الفسلفة البحتة ، والحقيقة أن ثمة علاقة قوية بين المبدأين لكن بالتأكيد كل منهما مستقل تماماً عن الآخر ، فالسببية تقضي بأن كل حدث له أسباب أدت إلي حدوثه ، بينما الحتمية تقضي بأن تكرار السبب لابد أن يؤدي إلي نفس الحدث في كل مرة ولا يمكن أن يؤدي إلي حدث مختلف بما يجعل العلاقة الرياضية بين السبب وأثره علاقة حتمية دائماً ، والحقيقة أن السببية في حد ذاتها ضرورية منطقياً ، ولم يكن هناك أي إشكال علمي أو فلسفي معتبر في إثباتها منطقياً ورياضياً باستثناء بعض التحديات التي فرضتها ميكانيكا الكم أمام هذا المبدأ ، أما الحتمية فقد تعرضت للعديد من الهزائم والنكبات التي أدت إلي سقوطها كأحد الفروض الأولية للعلوم الطبيعية كما أوضحنا في المقال السابق ، وذلك الخلط بين المبدئين هو الذي يجعل بعضهم يشنعون علي أئمة الإسلام بأنهم قد رفضوا السببية بما يجعلهم مخرفين أو مهرطقين في نظر هؤلاء ، إلا أنه في حقيقة الأمر فإن هؤلاء الأئمة – كحجة الإسلام أبي حامد الغزالي وشيخ الإسلام الهروي الأنصاري وغيرهما – قد رفضوا الحتمية مع إقرارهم للسببية ، بما جعلهم يسبقون الحضارة الغربية بأكثر من عشرة قرون من الزمان. إن وجود السببية لا يعني ضرورة الإقرار بالحتمية. هذا ما استقر عليه جمهور علماء المسلمين منذ قرون طويلة وما اتفق عليه علماء الفيزياء وسائر العلوم الطبيعية في الغرب خلال القرن الماضي.

 ماهي الحدود الفاصلة بين الحقائق والنظريات والفرضيات العلمية ؟

 كان هذا السؤال الثالث الذي تسعي فلسفة العلوم للإجابة عليه ، وفي حقيقة الأمر فإن الإجابة علي هذا السؤال تمس عامة الناس في حياتهم اليومية ، إذ أن وسائل الإعلام الحديثة تقدم محتوي لا بأس من العلوم الشعبية[vi] المبسطة التي يتلقاها عامة الناس بشغف واهتمام كبير بما يجعل ذلك المحتوي يؤثر تأثيراً ملحوظاً في صناعة وتوجيه الرأي العام. ربما كانت برامج العلوم الشعبية شحيحة للغاية في الوطن العربي باستثناء بعض الفضائيات الغربية المترجمة ، لكن في الغرب تعج الفضائيات ووسائل الإعلام المقروءة والسيبرية بمواد العلوم الشعبية باللغات المختلفة ، ويتسم محتوي تلك المواد -بشكل عام- بذوبان الحواجز بين مراتب المعرفة العلمية المختلفة ، فالرغبة في تقديم عنصر الإثارة وتحقيق نسبة مشاهدة عالية تجعل الافتراضات الرياضية المبدئية تصور علي أنها نظريات علمية رصينة ، وتجعل النظريات التي لاتزال في طور الصياغة والتدقيق تصور علي أنها حقائق علمية لا شك فيها ، ولا يستطيع المشاهد أن يدرك ذلك إلا إذا كان من المشتغلين بالعلوم وعلي دراية كافية بفلسفة العلوم وقواعد ومنهج البحث العلمي ، أما المشاهد العادي فينبهر بالمادة الإعلامية المزخرفة بعناصر الإبهار وربما الدراما والتي تختلط فيها النظريات العلمية الرصينة بالافتراضات الفلسفية البحتة والآمال العلمية الحالمة مثل الفيلم “العلمي” الذي قدمته ناشيونال جيوجرافيك عن إمكانية ومستقبل السفر في الزمن[vii] والذي خلطت فيه النظرية النسبية التي استقر علي صحتها علماء الفيزياء منذ أكثر من نصف قرن ، بعدد من الافتراضات عن وجود “الثقوب الدودية”[viii] التي تعبر نسيج الزمان-مكان[ix] وعدد آخر من الأحلام العلمية عن الإمكانية التقنية لطي الزمان-مكان باستخدام الجاذبية والسفر بسرعة الضوء ! فالمشاهد العادي لن يستطيع التفرقة بين كلام البروفيسور ستيفن هوكينج الرصين عن “علاقة الجاذبية بنسيج الزمان-مكان” وكلام المُعلق التابع لطاقم الفيلم عن “أن السفر في آلة الزمن هو أمر ممكن مستقبلاً” ! والأمثلة علي الخلط البائس بين درجات المعرفة في الإعلام عسيرة علي الإحصاء ، مابين السفر في الزمن إلي اكتشاف إكسير الحياة[x] إلي وجود الأكوان المتوازية[xi] !

إن تأثر المسلمين بهذا الخلط بين مراتب المعرفة العلمية هو تأثرٌ بالغ الخطورة إذ أن الفرضيات العلمية التي لاتزال في طور التكوين والنقد تقدم إلي جماهير المسلمين علي أنها حقائق علمية بل وربما يثار حولها جدل كبير من حيث توافقها مع نصوص القرآن والسنة أو عدمه ، بينما في حقيقة الأمر أن ذلك الجدل زائف من كل وجه ، فالجدوي المعرفية للاستدلال بمثل هذه الافتراضات “الفلسفية” منعدمة ، فإذا سلمنا جدلاً بوجود أدني قدر من الجدوي لمثل هذا الاستدلال فنجد أن التعارض بين مكتسبات العلوم التجريبية والحقائق العليا التي أتي بها الوحي الإلهي هو تعارض مستحيل ، إذا أن تلك المكتسبات قد تم التوصل إليها بطريق الحس والمشاهدة والاستنباط ، بينما تم التوصل إلي الحقائق العليا بطريق الوحي الإلهي ، ومن ثم فإن الإطار المعرفي للمعارف العلمية هو إطار مختلف جملة وتفصيلاً عن الإطار المعرفي لحقائق الوحي الإلهي ، فكما أن الاستدلال علي صحة أحاديث البخاري بطريق التجربة المعملية مستحيل ، فإن التعارض بين فرضية الأكوان المتعددة[xii] وبين أركان الإيمان أو إثبات وجود الله هو تعارض مستحيل ! ولكي يمكن تقديم القارئ المسلم العربي إلي حقيقة هذه الإشكالية الفكرية الخطيرة نستعرض في هذا المقال مراتب المعرفة العلمية والحدود التي تفصل كل منها عن الأخري ، وذلك سعياً لبيان دور فلسفة العلوم في الإجابة علي هذا السؤال.

يمكن تعريف الحقيقة العلمية[xiii] مبدئياً بأنها “مشاهدة موضوعية وقابلة للتحقق”[xiv] وهذا التعريف لأعلي مراتب المعرفة العلمية ينطبق علي قدر ضئيل من مكتسبات العلوم التجريبية ، إذ أن مقتضي ذلك التعريف أن يكون إدراك الحقيقة العلمية راجع لإدراكها كلها أو جزء منها بإحدي الحواس البشرية الخمسة ، أما إذا كان ذلك من غير الممكن ، وكان من المتاح مشاهدة أحد آثار الظاهرة محل الدراسة فقط فيظل ناتج المشاهدة مندرجاً تحت مرتبة “الحقيقة العلمية” إلا أن هناك بعض الإشكاليات التي سنتعرض لها فيما بعد تختص بهذا النوع من الحقائق العلمية. إذن عندما يشاهد المرء كوباً من الماء تحت الميكرسكوب الضوئي فيري بعض الكائنات الدقيقة ، فإن وجود هذه الكائنات في ذلك الماء يعد من باب الحقائق العلمية ، وعندما يشاهد المرء من فوق جبل مرتفع دائرة الأفق فيستنتج أن الأرض كروية لأن الأفق الذي هو مقطع من الأرض دائري ، تكون هذه حقيقة علمية ، وعندما يعجز الإنسان عن مشاهدة الفوتون[xv] لكنه يشاهد تردده الموجي – الذي يمثل أحد آثاره- علي شاشة أحد الأجهزة المعدة لذلك الغرض فإن وجود الفوتونات يعد حقيقة علمية.

هذا عن الحقائق ، ماذا عن النظريات والافتراضات العلمية ؟ إن النظريات والافتراضات العلمية هي أطروحات تسعي لتفسير وجود الحقائق العلمية وتفاعلها مع بعضها البعض ، فالنظريات والافتراضات ليست في ذاتها إخباراً عن “الحقيقة” بل هي مجرد محاولة لتفسير حقيقة علمية من وجهة نظر صاحب النظرية أو واضع الفرضية. من هنا يتضح لنا البون المعرفي الشاسع بين الحقائق العلمية والنظريات والافتراضات ، ففي حقيقة الأمر لا يفترض أبداً بالحقائق العلمية أن تتغير أو تتبدل ، بينما يفترض بالنظريات والافتراضات أن تتغير وتتبدل بشكل مستمر ذلك لأنها تعكس جهود ورؤي العلماء والباحثين لتفسير الظواهر الكونية التي يتم اكتشافها بمعايير الاستدلال علي الحقائق العلمية ، كذلك فمن الفروق الأساسية بين الحقائق والنظريات أو الفرضيات العلمية هو قابلية التحقق[xvi] ، فالحقائق العلمية تتوافر فيها قابلية التحقق بشكل جازم ونهائي ، بينما تسعي النظريات والفرضيات دائماً لتوفير نوع من قابلية التحقق يزيد من نسبة التأكد المتعلقة بكل نظرية أو فرضية علمية ، فقابلية التأكد للنظريات والفرضيات لا ترتقي أبداً لقابلية التأكد للحقائق العلمية.

المشكلة التي تطرحها معايير الاستدلال علي الحقائق العلمية أن تلك المعايير قادرة فقط علي الاستدلال علي حقائق “غير مهمة” بينما كل الحقائق المهمة لا يمكن الاستدلال عليها بتلك المعايير ، فيضطر العلماء إلي إخضاعها إلي معايير أقل من حيث الحجية المعرفية وهي معايير النظريات والفرضيات. يقول الفيلسوف الأمريكي البورفيسور فْرِيد بيرثولد : “إن الحقائق المهمة غير معروفة ، والحقائق المعروفة غير مهمة !”[xvii] ، فما هي معايير صياغة النظريات والفرضيات العلمية التي تجعل منها أقل بكثير من حيث الحجية المعرفية مقارنةً بالحقائق العلمية ؟

عندما تتعذر المشاهدات والتجارب المباشرة التي تستطيع أن تفسر ظاهرة ما ، فإنه يجوز أن يتم تفسير تلك الظاهرة بناءاً علي أساس مشاهدات وتجارب لا ترتبط بالظاهرة إلا من خلال قرينة جائزة ، بشرط أن يكون ذلك الارتباط خاضعاً لعدة مبادئ أهمها الخطئية[xviii] وقابلية التحقق ، وأن تصف النظريةُ الظاهرةَ بدقة كافية وأن تكون قادرة علي التنبؤ بتلك الظاهرة في المستقبل مع تغير عوامل حدوثها. هذا هو الإطار المعرفي للنظرية العلمية ، ولنضرب علي ذلك مثالاً واضحاً. عند دراسة ظاهرة التجاذب بين الأجرام السماوية المختلفة ، عجز نيوتن عن مشاهدة أو قياس قوي التجاذب بين الأجرام السماوية لكي يصيغ نظرية تصف تلك الظاهرة ، لكنه تمكن من مشاهدة مهمة علي الرغم أنها لا ترتبط بالظاهرة التي يدرسها ، هذه المشاهدة هي : حركة الأجرام السماوية ، فمن خلال “قرينة جائزة” هي افتراضه أن تلك الحركة مرتبطة بشكل أساسي بقوي التجاذب ، تمكن من صياغة قوانين الحركة التي تحدد علاقة الجاذبية بين الأجرام السماوية بناءاً علي كتلتها والمسافات بينها ، وكان ارتباط القرينة الجائزة -الافتراض الرياضي- بالظاهرة الغير مباشرة -حركة الأجرام- خاضعاً لإمكانية التحقق سواءاً في المعمل بإجراء تجارب مصغرة ، أو بدراسة حركة الأجرام السماوية المختلفة ، وكان كذلك بطبيعة الحال خاضعاً لبمدأ الخطئية الذي نؤجل شرحه إلي مقال آخر. ظلت نظرية نيوتن عن حركة الأجرام السماوية وسرعة الضوء ثابتة حتي بداية القرن العشرين عندما سقطت – أو بتعبير أكثر دقة سقطت حتميتها- مع انتصار النظرية النسبية لأينشتين.

ماذا عن الفرضيات العلمية ؟! إن الفرضيات العلمية هي الأقل مرتبة من حيث الحجية المعرفية بين أطروحات العلم التجريبي ، فالفرضيات هي ضرب من النظريات الذي لم تتوافر فيه المعايير الكاملة للنظرية ، فالفرضية ربما شابتها شوائب من حيث قدرتها علي التنبؤ بالظواهر في المستقبل ، أو يكون من غير الممكن إخضاعها لقابلية التحقق التجريبي ، أو ربما كان هناك ما يشوب القرينة الجائزة التي بنيت عليها تلك الفرضية. المثال علي ذلك فرضية الأكوان المتعددة التي تنص علي أن الوجود الذي نشاهده ونعيه ونصفه بالكون هو مجرد مجموعة عشوائية من التركيبات الطبيعية ضمن عدد لانهائي من المجموعات العشوائية المماثلة التي يُكوّن كل منها كوناً موازياً لكوننا ، فبالرغم من وجود قرينة جائزة قائمة علي إثباتات رياضية معقدة تؤيد هذه الفرضية إلا أنها تفتقر إلي ظواهر ومشاهدات تربط تلك القرينة الجائزة بظاهرة التدقيق المتناهي[xix] التي تسعي فرضية الأكوان المتعددة إلي تفسيرها في الأساس ، وبالتالي فالفرضية غير قابلة للتحقق أيضاً ، يما يجعلها دون مستوي الاعتبار كنظرية علمية.

إذن يمكننا القول أن الإجابة علي السؤال الثالث من الأسئلة الكبري لفلسفة العلوم يرسم حدوداً واضحة وفاصلة -من حيث الحجية المعرفية- بين الحقائق العلمية التي هي أعلي مراتب المعارف العلمية ، وبين النظريات والفرضيات العلمية التي هي محض أطروحات تسعي لوصف وتفسير الحقائق العلمية التي نطلق عليها اصطلاحاً : الظواهر الطبيعية. إن هذه الحدود الفاصلة بين مراتب المعارف العلمية ، ومعايير الحكم علي النظريات والفرضيات قد خضعت لجدل فلسفي كبير خلال القرن الماضي ، لاسيما مع أطروحات ميكانيكا الكم والفيزياء الحديثة ومنجزاتها في الكونيات والذرة ، ونتج عن هذا الجدل العديد من الأطروحات التي شكلت ولاتزال تحديات كبيرة أمام الفكر الإسلامي ، لاسيما مع السعي الغربي الدؤوب لنشر هذه الأطروحات من خلال الإعلام الفضائي والدراما بأنواعها المختلفة فضلاً عن برامج العلوم الشعبية المتعددة. في المقالات القادمة بإذن الله نسعي لدراسة أهم هذه الأطروحات بشكل أكثر تفصيلاً بما نرجو أن يضيف قيمة علمية وفلسفية تعين الفكر الإسلامي علي تجاوز محنته العالمية المعاصرة.

_______________________________

* نشر هذا المقال في مركز “نمــاء” للبحوث والدراسات : http://nama-center.com/ActivitieDatials.aspx?ID=112


[i] Priori

[ii] Empiricism

[iii] Logical positivism

[iv] Critical rationalism

[v] Causality

[vi] Popular science

[viii] Worm holes

[ix] Space-time

[xii] Multiverse hypothesis

[xiii] Scientific facts

[xiv] Peter Kosso (2011) A Summary of Scientific Method, Springer Verlag

[xv] Photon

[xvi] Verification

[xvii] Vaḥīduddīn K̲h̲ān̲ (2003) God Arises, International Islamic Publishing House, Riyadh, KSA

[xviii] Falsfiability

[xix] Fine Tuning

 

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

مقالات حول الإسلام والغرب

الحضارة الإسلامية والغرب – صراع أم حوار؟ (3)

من المسئول عن الأخطاء العلمية الفادحة فى العهدين القديم والجديد…؟

خالد صقر

عندما نتحدث عن إمتلاء العهدين القديم والجديد بالأخطاء العلمية ، فإننا لا نقصد بذلك تناقض بعض الإصحاحات أو المعلومات الواردة بهذين الكتابين مع بعض

رسم تاريخي لاثنين من القساوسة يستجوبون أحد العلماء أثناء تعذيبه في محاكم التفتيش

ما توصل إليه العلم الحديث من الإكتشافات العلمية النسبية التى قد يمكن الطعن فى صحتها ، بل إننا نتحدث عن تناقض الكثير من تلك النصوص مع الحقائق العلمية الكونية التى لا تقبل الجدال أو الشك ، والأمثلة على مثل هذا التناقض الفج والفاحش موجودة فى المقالين السابقين….وهذه التناقضات ، كما ذكرت من قبل، كانت هى الشرارة التى أشعلت الحرب بين البروتستانت والكنيسة الكاثوليكية فى العصور الوسطى بأوروبا

من الضرورى أن نقف وقفة مع التناقضات العلمية فى العهدين القديم والجديد ، قبل أن نستطرد فى الحديث عن الصراع بين الكنيسة وبين البروتستانت ومسانديهم من العالمانيين ، وأهمية هذه الوقفة والنقاش تنبع من ضرورة تأصيل كيفية تعاطى الفكر النصرانى مع قضية النصوص وصحتها ، وتنبع أهمية هذا النقاش أيضا من ضرورة توفير مادة علمية أكاديمية باللغة العربية لإسكات التيار النصرانى المتعصب والذى صكت  ضوضاؤه الآذان ، مدفوعا بضعف الدول العربية والتيارات الإسلامية فيها ، وهذه المقال محاولة للإسهام فى توفير تلك المادةالعلمية ، بجانب أنه أحد حلقات النقاش حول العلاقة بين الحضارة الإسلامية والغرب

إن مناقشة الأخطاء العلمية فى العهدين لا يجب أن تتوقف حول رصد تلك الأخطاء وبيان فداحتها ، ولا يجب أن تتوقف عند محاولة إيجاد تفسير لها بإضافة بعض المعلومات التاريخية الضحلة والغير مؤكدة حتى يمكن (إبتلاع) ما كتب فى هذين الكتابين ومحاولة (فهمه بطريق آخر) كما يحاول رجال الدين النصرانى المنتفعين من بقاء هذين الكتابين (مقدسين) عند شعوب كنائسهم…بل يجب أن يتعمق البحث حول هذه الأخطاء العلمية ليكشف لنا من المسئول عن مثل هذه الأخطاء ..؟

المقال – كما يتضح من عنوانه – موجه إلى من يؤمنون بعقيدة الخلق ، وهؤلاء -باستثناء اليهود – يؤمنون بكمال الخالق وإستحالة الخطأ فى حقه ، وبالتالى يصبح من المستحيل أن يجمع أحد المؤمنين بعقيدة الخلق بين الإعتقاد بكمال الخالق وبين تقبل أن يخطئ فى أمور علمية بسيطة تعد من الحقائق والمسلمات ، ومن هنا تنبع قضية تأليف العهدين …من كتب العهد الجديد والقديم…؟؟

يقول مؤلفو كتاب “الأقوال الصعبة فى الكتاب المقدس” Hard Sayings of the Bible  [1] :

” إن من أصعب القضايا التى تواجهنا عند الحديث عن الكتاب المقدس Bible هى قضية تأليف هذا الكتاب ، وأول الأسباب التى تجعل من هذه القضية غاية فى الصعوبة أن الكتاب المقدس يتناول ستة وستين كتاباً مختلفا وليس العهدين القديم والجديد فقط ، وهذا يقتضى أن يتم تأليف ستة وستين كتابا – على الأقل – لمناقشة هذه القضية ، ولكن يفترض أن المقدمات الموجودة فى العهدين تناقش هذا الموضوع بشئ من التلخيص ، وثانى الأسباب هو أن تعريف كلمة (المؤلف) يشوبه الكثير من الغموض عند الحديث عن الكتاب المقدس.

أول ما يواجهنا عند الحديث عن تعريف كلمة (المؤلف) أن العديد من الكتب المكونة للكتاب المقدس لا تذكر من هو مؤلفها ، فعلى سبيل المثال الإنجيل الوحيد من العهد الجديد الذى يعرف مؤلفه من خلال نصه هو إنجيل يوحنا ، وعلى الرغم من هذا فإن الإصحاح الذى يذكر أن (يوحنا الذى قد أحبه المسيح هو الذى يبلغنا بهذا الإنجيل) لا يذكر على وجه التأكيد أن (يبلغ) معناها أنه هو الذى قد (كتب) هذا الإنجيل بنفسه فى فترة حياته أم لا ! وإذا افترضنا –جدلاً- أن هذا الحوارى الذى قد أحبه المسيح هو فعلا من كتب الإنجيل فإن إسمه كاملاً  ليس مذكوراً فى الإنجيل نفسه..! ولهذا يمكن القول بأن الأناجيل الأربعة المعروفة فى العهد الجديد لا يذكر أى منها إسم كاتبه فى نص الإنجيل نفسه…أما باقى الكتب مثل الأعمال والعبرانيين بالإضافة إلى العهد القديم كاملاً ، فهى كتب تاريخية ولا يعرف لها مؤلف واضح أيضا

ثانى المشاكل التى تواجهنا عند الحديث عن (مؤلف) الكتاب المقدس ، أنه فى الكثير من الأحيان لا يتفق العلماء المتخصصون فى الكتاب المقدس على مؤلف أى من نصوصه ، فعلى سبيل المثال العبارات التى تدل على مؤلف (المزامير) تنسبه إلى النبى داود والعبارات التى تدل على مؤلف (نشيد الأنشاد) تنسبه إلى النبى سليمان ، ولكن الغالبية العظمى من العلماء المتخصصين فى الكتاب المقدس قد وقعوا فى خلاف حاد حول هذه العبارات ، ففريق منهم يرى أنها تدل بالفعل على أن مؤلفى هذين الكتابين هما داود وسليمان بينما يرى الفريق الآخر أن هذه العبارات تعنى أن الكتابين قد كتبا بنفس أسلوب النبيين وما جاء فيهما يماثل النمط الحياتى والأخلاقى لهما ، ويوجد المئات من البحوث المتخصصة التى تتناول هذه القضية بالتحديد ، والتى يجب على كل باحث أن يقرأها قبل أن يخلص إلى أى استنتاج يتعلق (بمؤلف) الكتاب المقدس…

ثالث المشاكل التى تحول بيننا وبين معرفة (المؤلف) الحقيقى للكتاب المقدس هى مشكلة الأسماء ودقتها ، فهناك العديد من الكتب التى يحتويها الكتاب المقدس التى تشبه إنجيل يوحنا من حيث ذكر إسم (المؤلف) ولكن هذا الإسم ليس كاملا ولا دقيقاً ، فعلى سبيل المثال فى إنجيل يوحنا (2-3) ذكر يوحنا بأنه (الأكبر سناً) the elder ولكن ليس هناك تعريفات أخرى لهذا الإسم سوى هذه الصفة…! ويتكرر هذا الأمر فى سفر الرؤية من العهد القديم ، والذى يفترض أنه يسبق إنجيل يوحنا تاريخيا من حيث التأليف ، فقد شكر اسم المؤلف على أنه يوحنا أيضا ، ولكن بدون أى تعريف يالإسم الكامل أو حتى الصفة أو النسبة…فإذا وضعنا فى الإعتبار مدى إنتشار إسم يوحنا فى المجتمعات اليهودية فى هذه الأزمنة فإنه يمكننا ان ندرك حجم المشكلة التى تواجهنا حتى مع الكتب والنصوص التى قد ذكر فيها اسم المؤلف

بطبيعة الحال ، نحن لسنا أول من يدرك هذه المشاكل أو يطلع عليها ، فقد أدركتها الكنائس المختلفة منذ أزمنة بعيدة وقد أعطت (تقاليد) كل كنيسة أوصاف وسمات محددة لكاتب كل كتاب أو نص من النصوص التى تكون الكتاب المقدس ، فعلى سبيل المثال فإن الكنيسة الكاثوليكية تقول بأن إنجيل مرقص قد (ألفه) يوحنا مرقص والذى كان يسجل تعاليم القديس بطرس مباشرة ، بينما تقول الكنيسة الكاثوليكية بأن (الحوارى الذى قد أحبه المسيح) و (الأكبر سناً) هو يوحنا بن زيبيدى أحد الحوريين الإثنا عشر ، ولكن للأسف الشديد فإن هذه (التقاليد) ليست جزءأ من الكتاب المقدس بل هى (وجهة نظر) بعض الآباء المتقدمين لكل كنيسة ، وهى مثل أى وجهة نظر قد تكون صحصة وقد تكون مخطئة ، ولا تشكل حلاً للمشاكل التى تعترض قضية (مؤلف) الكتاب المقدس…(التقاليد الكنسية ليست نصوصاً)…

أحد القضايا الكارثية التى تضاف إلى هذا الكم من الشكوك حول (مؤلف) الكتاب المقدس هى قضية (شخص) المؤلف…! إن وجود إسم (لمؤلف ما) لأحد النصوص داخل النص نفسه لا يعنى بالضرورة أن هذا المؤلف قد كتب ذلك النص (شخصيا) ، فإن المؤلفين فى الماضى كانوا يتخذون لأنفسهم مساعدين أو (سكرتارية) يقومون بالكتابة لهم ، وفى العديد من الأحيان تدخل هؤلاء المساعدون الشخصيون فى النص نفسه أو فى الطابع البلاغى للنص ، فعلى سبيل المثال يمكن إكتشاف هذا التدخل عند مقارنة  إنجيل بطرس الأول Greek of 1 peter مع إنجيل بطرس الثانى Greek of 2 peter بالنص اليونانى واكتشاف الفارق البلاغى والأدبى الهائل بين النصين واستحالة أن يكون كاتبهما شخص واحد

بالإضافة إلى كل هذا ، فإن التسليم بوجود (مؤلف) معروف لكل نص من نصوص الكتاب المقدس لا يعنى بأن هذا النص قد بقى كما هو بدون تعديلات منذ تأليفه حتى عصرنا هذا ، فمن الواضح جداً أننا إذا سلمنا بأن النبى موسى هو مؤلف سفر التثنية أن هناك من تدخل ليصف موت موسى فى نهاية هذا السفر ، وأن هناك أيضا من تدخل ليعدل  ويحدث  updateأسماء الكثير من الأماكن فى سفر التكوين Genesis (25:2; 19; 35:19) والأمثلة على وجود مثل هذه التعديلات فى العهد الجديد أيضا كثيرة ومتوافرة …” أ-هــ

إنتهى الإقتباس من كتاب “الأقوال الصعبة فى الكتاب المقدس” والذى يعتبر – للغرابة الشديدة – أحد أهم التفاسير المنشورة للكتاب المقدس والذى قد ألفه ثلاثة من كبار علماء اللاهوت وهم والتر كايسر ، بيتر دافيس و فريدريك بروس ، وهذه الشهادة من كبار العلماء الأكاديميين المتخصصين فى دراسة الكتاب المقدس إنما تقودنا إلى نتيجة واحدة أن السبب فى الأخطاء الفادحة فى الكتاب المقدس هم الذين (ألفوا) هذا الكتاب …!

إن إستمرار النصارى فى إطلاق صفة (القدسية) على كتابهم هذا بعد وقوفهم على هذا القدر الهائل من الشك حول (مؤلف) هذا الكتاب ، وبعد ظهور فساد هذا الكتاب بما يحتويه من نصوص تخالف الحس والعقل والمشاهدة والحقائق الكونية ، تثير موضوع بالغ الأهمية … ألا وهو كيفية تعاطى الحضارة الغربية النصرانية مع الدين …ولهذا حديث آخر…

المراجع

[1] Walter C. Kaiser, Peter H. Davids, Frederick Fyvie Bruce (1996) Hard Sayings of the Bible, InterVarsity Press, pp. 35-39

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

مقالات حول الإسلام والغرب

الحضارة الإسلامية والغرب : صراع أم حوار ؟ (2)

خالد صقــر

نسخة للطباعة

- “وكل دبيب الطير الماشي على أربع فهو مكروه لكم”  سفر اللاويين 11 – 20 [1]

- “وبعد هذا رأيت أربعة ملائكة واقفين على أربع أركان الأرض، ممسكين أربع رياح الأرض لكي لا تهب ريح على الأرض، ولا على البحر، ولا على شجرة ما” سفر الرؤيا 7 – 1 [2]

- “الذي أمسكته من أطراف الأرض، ومن أقطارها دعوته، وقلت لك: أنت عبدي. اخترتك ولم أرفضك” سفر أشعياء 41 – 9 [3]

- “ويخرج ليضل الأمم الذين في أربع زوايا الأرض: جوج وماجوج، ليجمعهم للحرب، الذين عددهم مثل رمل البحر” سفر الرؤيا 20 – 8 [4]

- ” فيرسل حينئذ ملائكته ويجمع مختاريه من الأربع الرياح، من نهايات الأرض إلى نهايات السماء” إنجيل مرقس 13 – 27 [5]

كانت مثل هذه النصوص التى يمتلئ بها العهدين القديم والجديد بمثابة الوقود الذى أشعل نار الحرب بين العلماء الأوربيين فى القرنين السابع والثامن عشر الميلاديين وبين الكنيسة الكاثوليكية ، حيث وجد هؤلاء العلماء – إستنادا على مشاهداتهم وتجاربهم – أن مثل هذه النصوص تتعارض مع الواقع وأبسط الحقائق العلمية ، وبالتالى فيستحيل أن تكون “إلهية” Devine أو “مقدسة” Holy بينما اتهمتهم الكنيسة فى المقابل بالهرطقة والإلحاد والخروج على تعاليمها وإنكار عصمة الكرسى البابوى، وبالطبع فإن مناقشة تلك الحرب بالتفصيل ليس من أهداف هذه المقالات ، وللقارئ أن يستعين بالكثير من الكتب التى فصلت هذا الصراع وبينت مواقف الكنيسة من العلماء مثل جاليليو وكوبيرنيكوس مثل كتب جيرى بروتون[6] وجاك ريبشيك[7] والتى تعرض كيف كان رد فعل الكنيسة ، وهى فى ذلك الوقت الذراع اليمنى للملكية الأوروبية، تجاه هؤلاء العلماء. أما بعد أن بعد أن بدأ صوت هؤلاء العلماء يعلو فوق صوت الكنيسة فقد بدأ رجال الدين الكاثوليكيين ينقسمون بين محافظين يرون أن حرق هؤلاء العلماء أحياءاً فى محاكم التفتيش هو الحل الناجع للإبقاء على سلطة الكنيسة ، كما حدث لكوبيرنيكوس، وبين متحررين يرون أن الحل هو إعادة صياغة أو تأويل هذه النصوص الإنجيلية والتوراتية لتتوافق مع مستجدات العلم التجريبى الناشئ، ولكن سرعان ما انهزمت الطائفة الثانية وبقى الكاثوليك متقوقعين ذاتيا على نصوص تناقض الواقع والحس والمشاهدة ، مما دفع بالجماهير الأوروبية المنبهرة بالإكتشافات العلمية والإختراعات الجديدة إلى الإنبهار بمارتن لوثر ودعوته الإعتراضية Protestantism على سلطة الكنيسة ، ورغبته فى فصل الحياة عن الدين وعزل الكنيسة عن العلم المادى[8].

يقول القس جيمس ماكفرى فى كتابه “تاريخ الكنيسة الكاثوليكية من عصر النهضة إلى الثورة الفرنسية”[9] حاصراً الأسباب التى أدت إلى (الإنكار العالمى) للعقيدة المسيحية فى تلك الحقبة ، وهى فى إعتقاده نفس الأسباب التى أدت إلى ظهور البروتستانتية كعقيدة موازية فى ذلك الوقت:

” لقد كانت الأسباب الرئيسية التى مهدت الطريق أمام هذا الإنكار العالمى للعقيدة المسيحية هى:

1- الإنتشار الواسع للجاليكانية Gallicanism والجانسينية Jansenism وما استتبعه من إهدار للطاقة فى الصراع الذى دار حول هذين المنهجين

2- حالة السبات الفكرى التى سببها الإستعباد الكنسى والبابوى للشعوب الأوروبية

3- إنسحاب أعداد هائلة من الطلبة الدارسين للعلوم الإكليركية

4- القمع التى تعرضت له “جماعة اليسوعيين”[1] Society of Jesus وهم من أشد المؤيدين والمؤمنين بالعقيدة الكاثوليكية”

ويستطرد ماكفرى واصفا الحالة الفكرية والعقائدية فى تلك الحقبة قائلا: “لقد كان إنتشار النظريات المنطقية rationalist theories أكبر النجاح فى إسقاط الهيبة التى كانت قد عقدت فى قلوب المسيحين فى ذلك الوقت تجاه العهد الجديد الذى كانوا يعتبرونه الوحى الإلهى للبشر والمصدر الأوثق للعلوم ، وقد إستمرت هذه النظريات فى الإنتشار ، تبعاً لتعاليم مارتن لوثر ، بغض النظر عن مدى تأثر كل منها أصوليا بتلك التعاليم ، داعية لإخضاع نصوص العهدين القديم والجديد لسلطة العقل والإدراك البشريين بدلا من سلطة الكرسى البابوى”

ولكن اللوثريين لم يكونوا يتمتعوا بالقدر الكافى من الشجاعة فى ذلك الوقت ليجزموا بأن العهدين القديم والجديد من كتابة البشر وليسا من وحى الله ، على العكس من فاوستس سوكينس (1539-1604 AD) الذى قد أعلن بكل صراحة أن هذين الكتابين لا يمكن أن يكونا وحيا من الله بينما يحتويان على نصوص تناقض المشاهدة والواقع المحسوس ، بل ودعا إلى حذف مثل هذه النصوص من العهدين وإبقاء على ما سواهما تحت المشاهدة والتجربة المستقبلية ، وبقى نوع من التحفظ بين لوثر وسوكينس حول هذه النقطة حتى إنتشار الفكر المنطقى بشكل واسع فى ألمانيا وإنكلترا وفرنسا مما آذن بإمكانية القبول بأفكار أكثر (تحرراً) كمثل أفكار سوكينس…تركز النزاع فى تلك الفترة الهامة من تاريخ أوروبا بين فئتين ، كلاهما يقف فى تضاد مع العقيدة الكاثوليكية ، الفئة الأولى ترى بأن العهدين القديم والجديد بالكلية ليسا من وحى الله إطلاقاً ، وتستدل على هذا بمثل النصوص التى أوردناها فى أول المقال ، أما الفئة الثانية فلا تزال تقبل – بشكل مجمل – بألوهية الوحى المسيحى المتجسد فى العهدين ، ولكن تنكر تماما أى سلطة لهذين العهدين على إدراك الإنسان للعلوم الطبيعية وواقع العالم من حوله…فى يومن هذا ، الفئة الأولى تطورت لتجسد التيار الإلحادى المنكر للوجود الإلهى بينما الفئة الثانية تطورت لتنتج التيار العالمانى المنكر لدور الدين فى الحياة العامة والقائل باقتصاره على الأمور الإعتقادية البحتة…

يتبع…

المراجع

[1]   The Old Testament, King James Bible “All fowls that creep, going upon all four, shall be an abomination unto you.” Leviticus 11:20

[2]   The Old Testament, King James Bible And after these things I saw four angels standing on the four corners of the earth, holding the four winds of the earth, that the wind should not blow on the earth, nor on the sea, nor on any tree.” Revelation 7:1

[3]   The Old Testament, King James Bible Thou whom I have taken from the ends of the earth, and called thee from the chief men thereof, and said unto thee, Thou art my servant; I have chosen thee, and not cast thee away.” Isaiah 41:9

[4]   The Old Testament, International Standard Version He will go out to deceive Gog and Magog, the nations at the four corners of the earth, and gather them for war. They are as numerous as the sands of the seashore.” Revelation 20:8

[5]   The New Testament, International Standard Version He will send out his angels and gather his elect from the four winds, from the ends of the earth to the ends of heaven.”

[6]   Brotton, Jerry  The Renaissance: A Very Short Introduction ISBN 0-19-280163-5

[7]   Repcheck,  Jack (2007) Copernicus’ secret: how the scientific revolution began, Simon & Schuster Press.

[8]   Atkinson, James (1982) Martin Luther and the birth of Protestantism, Marshall Morgan & Scott Pub.

[9]   Rev. McCaffrey, James (1914) History of the Catholic Church: From Renaissance to the French Revolution, Republished: Forgotten Books 1970


[1] إحدى الجماعات الكاثوليكية المتطرفة ، والتى تسمح بانضمام الرجال فقط دون النساء لعضويتها ، ويقسم أعضاءها على الطاعة العمياء للكرسى البابوى ، هذه الجماعة تستتر بأعمال التعليم ومكافحة الفقر بينما تسعى لنشر العقيدة الكاثوليكية بشتى الطرق ، وبل وفى بعض الأحيان قد يقوم أعضاء من هذه الجماعة بأعمال عنف وتخريب لمصلحة الكنيسة ، وهؤلاء هم من يطلق عليهم “جنود الرب” God’s Marines ، ومن نافلة القول أن هذه الجماعة تعمل تحت ترخيص حكومى فى مصر وتنتشر فروعها فى الإسكندرية والقاهرة والمدن الرئيسية فى شمال الدلتا ومدن القناة…!

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

مقالات حول الإسلام والغرب

الحضارة الإسلامية والغرب : صراع أم حوار ؟ (1)

خالد صقــر

نسخة للطباعة

إن تعريف مصطلح “الحضارة” فى حد ذاته قد خضع – ولا يزال – لجدل فلسفى ولغوى ومعنوى أعمق من أن يتتبع تاريخياً أو أن يحاط به فى هذا الحيز ، ولكنى فى هذه السلسلة من المقالات أحاول أن أحدد الخطوط الرئيسية لهذا الجدل بحيث يمكن طرح قضية “ماهية الحضارة” و مناقشتها تاريخيا بحيث نتعرض إلى الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية الحديثة بشئ من التفصيل من حيث الأسس والدوافع الرئيسية التى قامت عليها كل منها والصفات المميزة لكل من هاتين الحضارتين ، ومن ثم يصبح من السهل التعرض لطبيعة العلاقة الأصلية بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية المعاصرة ، والتى تختلف كثيراً عما يطمح العديد من المثقفين الإسلاميين – وخصوصا العرب منهم -  فى يومنا هذا لإثباته  ، فاليوم بين أيدينا المقال الأول من هذه السلسة ، والتى أدعو الله العلى القدير أن تكون نواة خصبة لفهم العلاقة الحقيقية بين الإسلام وما يحمله من أسس حضارية سامية والحضارة الغربية بمعطياتها التاريخية والمعاصرة

يعرف قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية كلمة “الحضارة” Civilization بأنها “حالة متطورة أو متقدمة للمجتمع الإنسانى” وهذا التعريف – على الرغم من أنه أكثر التعريفات إنتشاراً فى الغرب حالياً – هو أكثر التعريفات نقصاً وعواراً ، إذ أن كلمتى “متطورة” Developed و “متقدمة” Advanced هما كلمتان نسبيتان…! فتلقائيا يطرح هذا السؤال: متطورة أو متقدمة بالنسبة إلى ماذا..؟ لأنه ليس ثمة تقدم أو تطور مطلقين…ثم يأتى سؤال آخر ، ماهو تعريف وحجم وصفات “المجتمع الإنسانى”..؟ إن هذا التعريف من أكثر التعريفات تضليلاً فى ربطه الخاطئ بين مفهومى “الحضارة” و”المدنية” إذ أنه يشير بطرف خفى عند تعرضه لفعل “يُحَضِّر” To Civilize إلى مصطلح “يصبح مدنياً” To become civil… وهذا الربط يجانب الحقيقة بالكلية إذ أنه يقصر التحضر والحضارة على “المدن” فى أى مجتمع – بما تحتويه من مظاهر حياتية واجتماعية معروفة – ويجرد القرى أو التجمعات التى تفتقر إلى تلك المظاهر التقدمية المحددة سلفاً من صفة التحضر…ومن أشهر من استخدم مصطلحى “الحضارة” و”المدنية” بنفس المعنى ويل ديورانت مؤلف كتاب “قصة الحضارة”…أما بعض التعريفات الأخرى لهذا المصطلح فتتعدى مرحلة التعريف لتستغرق فى شرح تفصيلى “لمظاهر” الحضارة كالنظام النقدى والحكومة المؤسسية ونظم القانون والسيادة ووسائل النقل والكتابة وما إلى ذلك ليفسروا معنى الحضارة ، وهذا لا يستساغ فلسفياً ، إذ انه من غير الممكن تعريف شئ ما بوصف المظاهر الناشئة عن وجوده إذ قد تختلف هذه المظاهر أو تتلاشى بالكلية مع استمرار وجود ذلك الشئ* …فيدخل تحت هذا النوع تعريفات كل من والتر إيفيرت [1] ونيكولاس وايزمان [2] وتوماس ميدوز [3] ويوليوس ديفوس [4]، والتى تعود كلها إلى القرن التاسع عشر أو بدايات القرن العشرين ، والتى هى أيضاً الأكثر استخداما وانتشاراً – على الرغم من خطئها – فى الأوساط الأكاديمية المعنية بهذا المصطلح…!

من المثير أيضاً أن يعرف القارئ أن أقدم كتابة معروفة لكلمة “الحضارة” باللغة الإنجليزية Civilization ترجع إلى عام 1767 ميلادية فى مقال لآدم فيرجسون [5] بعنوان “تاريخ المجتمع المتحضر” ومن الملاحظات المثيرة للجدل ، بل والتعجب ، فى هذا المقال “التاريخى” أن الكاتب كان يستخدم مصطلح “الحضارة” كمقابل لغوى لمصطلح “التوحش” أو “البربرية” وليس للدلالة على المعنى المتداول الآن تحت هذا المصطلح ، وقد شاع هذا المصطلح وانتشر فى القرن الثامن عشر أيما انتشار ، ومن الجدير بالملاحظة أيضاً أنه فى تلك الحقبة كان التوسع الإستعمارى الأوروبى فى أنحاء العالم فى ذروته وصاحبه التوسع الإستعمارى فى أمريكا الشمالية ، فكان من المنطقى للنخبة المثقفة القاطنة فى أوروبا فى ذلك الوقت أن يتأثر نتاجها الفكرى بالصور التى تنقلها جحافـل المستعمرين عن “البرابرة” و “المتوحشين” الذين يعيشون فى أنحاء العالم…وقد كانت تلك الجيوش الإستعمارية تسعى – بالتحقير من شأن الشعوب التى تقوم باحتلال أراضيها – للحصول على الدعمين الشعبى والحكومى من بلادهم لتستمر مسرحية الإستعمار ويستمر فيضان الموارد على بلادهم وخزائنهم ، فكان من المبادئ السائدة فى تلك الفترة وصف الشعوب المستعمرة بـ “البرابرة” Barbarians والشعوب الأوروبية المحتلة بـ “المتحضرة” Civilized فمنذ ذلك العصر سادت الفكرة – وإن كانت غير مدونة فى حينها – أن الحضارة هى ما يأتى به الرجل الأوروبى الأبيض من ثياب وأسلحة وأدوات ، بل وأنظمة وتقاليد وفنون وعادات ، وقد ظهرت تلك الفكرة بوضوح شديد فى تعريف الغربيين لمعنى “الحضارة” فى ذلك الوقت ، كما أسلفت ، ومن أكثر الأدلة على شيوع هذا التعريف لمصطلح الحضارة الأعمال الأدبية لسير هنرى رايدر هاجارد [,7,8,96] والتى حفلت بتمجيد “الرجل الأبيض الذى جاء من النجوم” [6] عند احتلاله وسرقته لثروات “قبائل المتوحشين” [7] فى أفريقيا…وتوضح الشعبية الهائلة التى حظيت بها تلك الروايات فى البلاد الأوروبية الفكر الذى كان – ولايزال – سائداً تجاه مصطلح “الحضارة”.

بعد هذا الطرح التاريخى لنشأة مصطلح “الحضارة” عند الغربيين ، يتبادر إلى الذهن سؤال عن الأسباب والدوافع التى أدت إلى هذا الإرتباط بين مصطلح ومفهوم “الحضارة” وبين مصطلح ومفهوم “التمدن” وما يحمله من مظاهر معروفة ، وحتى يمكن الإجابة على هذا السؤال يجب أن نرجع إلى ماقبل مقال آدم فيرجسون بحوالى مائتى عام ، وبالتحديد إلى ما يسمى بعصر “النهضة” Renaissance والذى شهد ولادة ثورة أوروبا على سلطة الكنيسة ، وشهد أيضاً إكتشاف أمريكا وبداية الهجرة إليها.

إن أهم الأحداث التى شهدتها أوروبا خلال عصر النهضة هو الثورة على الكنيسة والتى تمثلت فى ظهور الملة البروتستانية ، والتى دعا إليها مارتن لوثر خلال النصف الأول من القرن السادس عشر ، ولهذا نرى أن كتابات العديد من كبار المؤرخين الغربيين فى بداية القرن العشرين مثل جيمس ماكفرى [10] و جين مارى ستون [11] وألفريد باودليرات [12] والتى تناولت عصر النهضة قد ركزت بشكل رئيسى على تلك الثورة ضد السلطات الإجتماعية والسياسية والعلمية بل والدينية للكنيسة ، ففى الوقت الذى أعلن فيه بابا روما لويس العاشر طرح (صكوك الغفران) للبيع لاستكمال المصاريف اللازمة لبناء كنيسة القديس بطرس ، خرج مارتن لوثر بتعاليمه الثورية التى دعا فيها بحرية تفسير الإنجيل ، وببطلان السلطة الكهنوتية للكنيسة والبابا ، فاحتدم الصراع فى تلك الفترة بين أتباع مارتن لوثر الساخطين على الظلم الذى تمارسه الكنيسة وبين أتباع الكنيسة المنتفعين من ممارساتها وسياساتها ، فأفرز ذلك الصراع فكراً جديداً يدعو إلى إعادة تقييم دور الدين فى الحياة بشكل عام وفى أنظمة الحكم بشكل خاص ، فكان ظهور البروتستانتية النواة الحقيقية لظهور العالمانية Secularism أو فصل الدين عن الإجتماع والسياسة ، وكان لهذا أهم الآثار فى الربط بين مصطلحى “الحضارة” و”التمدن” كما سيتبين لنا بمزيد من التفصيل…

يتبع…

المراجع

[1]     Walter Goodnow Everett (1918) Moral Values: A Study of the Principles of Conduct, H. Holt Pub.

[2]     Nicholas Patrick Wiseman (1873) The Dublin Review, Library of the University of Michigan

[3]     Thomas Taylor Meadows (1856) The Chinese and Their Rebellions, Smith, Elder & co.

[4]     Julius Emil DeVos (1899) The Three Ages of Progress, M. H. Wiltzius & co.

[5]     Émile Benveniste (1954) “Civilization: Contribution à l’histoire du mot” (Civilization: Contribution to the history of the word), published in Problèmes de linguistique générale,

[6]     Henry Raider Haggard, Sir., (1885) King Solomon’s Mines, Republished by Wordsworth Editions, 1993

[7]     Henry Raider Haggard, Sir., (1887) Allan Quatermain

[8]     Henry Raider Haggard, Sir., (1914) Diary of an African Journey, Republished by Hurst & Co. Publishers 2001

[9]     Henry Raider Haggard, Sir., (1887) She, Republished by Forgotten

[10] James MacCaffrey (1915) History of the Catholic Church from the Renaissance to the French Revolution

[11] Jean Mary Stone (1904) Reformation and Renaissance: Circa 1377-1610, Pubished by Harvard University

[12]  Alfred Baudrillart (1907) The Catholic Church, the Renaissance and Protestantism, Published by Harvard University


* فعلى سبيل المثال من الخطأ تعريف “الشمس” بوصف شدة ضوئها أو حراراتها إذ أن هذا التعريف لا يكون صحيحاً فى الليل ، ولا يمكن – مثلاً – تعريف الشمس بوصف طول النهار والليل إذ أن هذا أيضاً يختلف من مكان لآخر على وجه الأرض ، وخارجها بوجه أولى…

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , ,

 
تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 302 other followers

%d bloggers like this: