RSS

أرشيف الأوسمة: عصر النهضة الأوروبية

عن النظرية المعرفية للمنهج السلفي

في تقديري أن هناك أربعة عناصر أساسية للنظرية المعرفية التي يحملها المنهج السلفي :

أولاً : تقديس نصوص الوحي ورفعها في مرتبة تعلو على ما سواها ، واتخذاها الركيزة الأساسية في كل ما يختص بتحقق المعرفة والاستدلال على الحقائق الكلية/المطلقة في الفكر الإسلامي

ثانياً : المعرفة هدفها العمل ، فلا يوجد في المنهج السلفي معرفة نظرية محضة أو إدراك فلسفي عبثي ، بل إن كل المعارف تقود إلى العمل ، سواءٌ في ذلك عمل الجوارح أو القلب أو العقل

 ثالثاً : اعتقاد أنه كلما بعد الزمان عن عهد النبوة ، قلّ جوهر العلم الشرعي ، على الرغم من أنه ربما زادت مادته ، وذلك يقتضي بذل العناية بتراث المتقدمين -وعلى رأسهم القرون الثلاثة الفضلى والأئمة الأربعة – أكثر بكثير من العناية التي تبذل لتراث المتأخرين ، ويقتضي أيضاً تقديم اجتهاد المتقدمين على اجتهاد المتأخرين عند تحقق الخلاف

رابعاً : أن النظريات المعرفية الإنسانية (العلمية مثل التجريبية / الوضعية / الوضعية المنطقية…والاجتماعية مثل البنيوية الاجتماعية … وغير ذلك) الأصل فيها ألا تتعارض مكتسباتها مع نصوص الوحي ، فإن تحقق التعارض قدمت نصوص الوحي على مكتسبات النظريات الوضعية ، أما حينما يحدث تعارض بين مكتسبات هذه النظريات الإنسانية واجتهاد السلف وعلماء المسلمين -مالم يكن إجماعاً- فينظر في محل الخلاف ويحسم بقواعد المنطق.

هذه الأصول – ان تم تطبيقها – كفيلة بأن تحفظ الشكل الأساسي للمجتمعات المسلمة وتحميها من الذوبان في العولمة الصهيوأمريكية القائمة على المادية ووضع الإنسان في مركز الوجود ، فإن صحب تطبيق هذه الأصول سعيٌ أكيد للإلمام بأدوات التقدم والصناعة لهذا العصر ظهر الأفق أمام المجتمعات المسلمة لاستعادة استقلالها وتحرير مقدراتها ومواردها وشعوبها من الاحتلال الصهيوأمريكي الذي يفرضه النظام العالمي سياسياً واقتصادياً على أراضي المسلمين

 

الأوسمة: , , , , , , , , ,

الثورة ومناهج التغيير

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

*مدخل إلي فلسفة العلوم : النشأة التاريخية وإشكاليات الواقع (2)

(تصميم مركز نماء للبحوث والدراسات)

تعرضنا في المقال السابق لأهم الأسئلة التي تسعي فلسفة العلوم للإجابة عليها ، وتوقفنا عند السؤال الثاني الذي يتعلق بحدود الفروض الصحيحة للعلم التجريبي وذلك لما طرحنا “الحتمية” كأحد الفروض الأولية[i] التي قامت عليها الفلسفة التجريبية[ii] ووضحنا كيف هدمت المدارس الحديثة لفلسفة العلوم كالوضعية المنطقية[iii] والعقلية النقدية[iv] مبدأ الحتمية ، وجدير بالذكر أن هناك خلط شائع بين مبدأي السببية[v] والحتمية لا سيما عند غير المشتغلين بالعلوم الطبيعية أو المغرقين في الفسلفة البحتة ، والحقيقة أن ثمة علاقة قوية بين المبدأين لكن بالتأكيد كل منهما مستقل تماماً عن الآخر ، فالسببية تقضي بأن كل حدث له أسباب أدت إلي حدوثه ، بينما الحتمية تقضي بأن تكرار السبب لابد أن يؤدي إلي نفس الحدث في كل مرة ولا يمكن أن يؤدي إلي حدث مختلف بما يجعل العلاقة الرياضية بين السبب وأثره علاقة حتمية دائماً ، والحقيقة أن السببية في حد ذاتها ضرورية منطقياً ، ولم يكن هناك أي إشكال علمي أو فلسفي معتبر في إثباتها منطقياً ورياضياً باستثناء بعض التحديات التي فرضتها ميكانيكا الكم أمام هذا المبدأ ، أما الحتمية فقد تعرضت للعديد من الهزائم والنكبات التي أدت إلي سقوطها كأحد الفروض الأولية للعلوم الطبيعية كما أوضحنا في المقال السابق ، وذلك الخلط بين المبدئين هو الذي يجعل بعضهم يشنعون علي أئمة الإسلام بأنهم قد رفضوا السببية بما يجعلهم مخرفين أو مهرطقين في نظر هؤلاء ، إلا أنه في حقيقة الأمر فإن هؤلاء الأئمة – كحجة الإسلام أبي حامد الغزالي وشيخ الإسلام الهروي الأنصاري وغيرهما – قد رفضوا الحتمية مع إقرارهم للسببية ، بما جعلهم يسبقون الحضارة الغربية بأكثر من عشرة قرون من الزمان. إن وجود السببية لا يعني ضرورة الإقرار بالحتمية. هذا ما استقر عليه جمهور علماء المسلمين منذ قرون طويلة وما اتفق عليه علماء الفيزياء وسائر العلوم الطبيعية في الغرب خلال القرن الماضي.

 ماهي الحدود الفاصلة بين الحقائق والنظريات والفرضيات العلمية ؟

 كان هذا السؤال الثالث الذي تسعي فلسفة العلوم للإجابة عليه ، وفي حقيقة الأمر فإن الإجابة علي هذا السؤال تمس عامة الناس في حياتهم اليومية ، إذ أن وسائل الإعلام الحديثة تقدم محتوي لا بأس من العلوم الشعبية[vi] المبسطة التي يتلقاها عامة الناس بشغف واهتمام كبير بما يجعل ذلك المحتوي يؤثر تأثيراً ملحوظاً في صناعة وتوجيه الرأي العام. ربما كانت برامج العلوم الشعبية شحيحة للغاية في الوطن العربي باستثناء بعض الفضائيات الغربية المترجمة ، لكن في الغرب تعج الفضائيات ووسائل الإعلام المقروءة والسيبرية بمواد العلوم الشعبية باللغات المختلفة ، ويتسم محتوي تلك المواد -بشكل عام- بذوبان الحواجز بين مراتب المعرفة العلمية المختلفة ، فالرغبة في تقديم عنصر الإثارة وتحقيق نسبة مشاهدة عالية تجعل الافتراضات الرياضية المبدئية تصور علي أنها نظريات علمية رصينة ، وتجعل النظريات التي لاتزال في طور الصياغة والتدقيق تصور علي أنها حقائق علمية لا شك فيها ، ولا يستطيع المشاهد أن يدرك ذلك إلا إذا كان من المشتغلين بالعلوم وعلي دراية كافية بفلسفة العلوم وقواعد ومنهج البحث العلمي ، أما المشاهد العادي فينبهر بالمادة الإعلامية المزخرفة بعناصر الإبهار وربما الدراما والتي تختلط فيها النظريات العلمية الرصينة بالافتراضات الفلسفية البحتة والآمال العلمية الحالمة مثل الفيلم “العلمي” الذي قدمته ناشيونال جيوجرافيك عن إمكانية ومستقبل السفر في الزمن[vii] والذي خلطت فيه النظرية النسبية التي استقر علي صحتها علماء الفيزياء منذ أكثر من نصف قرن ، بعدد من الافتراضات عن وجود “الثقوب الدودية”[viii] التي تعبر نسيج الزمان-مكان[ix] وعدد آخر من الأحلام العلمية عن الإمكانية التقنية لطي الزمان-مكان باستخدام الجاذبية والسفر بسرعة الضوء ! فالمشاهد العادي لن يستطيع التفرقة بين كلام البروفيسور ستيفن هوكينج الرصين عن “علاقة الجاذبية بنسيج الزمان-مكان” وكلام المُعلق التابع لطاقم الفيلم عن “أن السفر في آلة الزمن هو أمر ممكن مستقبلاً” ! والأمثلة علي الخلط البائس بين درجات المعرفة في الإعلام عسيرة علي الإحصاء ، مابين السفر في الزمن إلي اكتشاف إكسير الحياة[x] إلي وجود الأكوان المتوازية[xi] !

إن تأثر المسلمين بهذا الخلط بين مراتب المعرفة العلمية هو تأثرٌ بالغ الخطورة إذ أن الفرضيات العلمية التي لاتزال في طور التكوين والنقد تقدم إلي جماهير المسلمين علي أنها حقائق علمية بل وربما يثار حولها جدل كبير من حيث توافقها مع نصوص القرآن والسنة أو عدمه ، بينما في حقيقة الأمر أن ذلك الجدل زائف من كل وجه ، فالجدوي المعرفية للاستدلال بمثل هذه الافتراضات “الفلسفية” منعدمة ، فإذا سلمنا جدلاً بوجود أدني قدر من الجدوي لمثل هذا الاستدلال فنجد أن التعارض بين مكتسبات العلوم التجريبية والحقائق العليا التي أتي بها الوحي الإلهي هو تعارض مستحيل ، إذا أن تلك المكتسبات قد تم التوصل إليها بطريق الحس والمشاهدة والاستنباط ، بينما تم التوصل إلي الحقائق العليا بطريق الوحي الإلهي ، ومن ثم فإن الإطار المعرفي للمعارف العلمية هو إطار مختلف جملة وتفصيلاً عن الإطار المعرفي لحقائق الوحي الإلهي ، فكما أن الاستدلال علي صحة أحاديث البخاري بطريق التجربة المعملية مستحيل ، فإن التعارض بين فرضية الأكوان المتعددة[xii] وبين أركان الإيمان أو إثبات وجود الله هو تعارض مستحيل ! ولكي يمكن تقديم القارئ المسلم العربي إلي حقيقة هذه الإشكالية الفكرية الخطيرة نستعرض في هذا المقال مراتب المعرفة العلمية والحدود التي تفصل كل منها عن الأخري ، وذلك سعياً لبيان دور فلسفة العلوم في الإجابة علي هذا السؤال.

يمكن تعريف الحقيقة العلمية[xiii] مبدئياً بأنها “مشاهدة موضوعية وقابلة للتحقق”[xiv] وهذا التعريف لأعلي مراتب المعرفة العلمية ينطبق علي قدر ضئيل من مكتسبات العلوم التجريبية ، إذ أن مقتضي ذلك التعريف أن يكون إدراك الحقيقة العلمية راجع لإدراكها كلها أو جزء منها بإحدي الحواس البشرية الخمسة ، أما إذا كان ذلك من غير الممكن ، وكان من المتاح مشاهدة أحد آثار الظاهرة محل الدراسة فقط فيظل ناتج المشاهدة مندرجاً تحت مرتبة “الحقيقة العلمية” إلا أن هناك بعض الإشكاليات التي سنتعرض لها فيما بعد تختص بهذا النوع من الحقائق العلمية. إذن عندما يشاهد المرء كوباً من الماء تحت الميكرسكوب الضوئي فيري بعض الكائنات الدقيقة ، فإن وجود هذه الكائنات في ذلك الماء يعد من باب الحقائق العلمية ، وعندما يشاهد المرء من فوق جبل مرتفع دائرة الأفق فيستنتج أن الأرض كروية لأن الأفق الذي هو مقطع من الأرض دائري ، تكون هذه حقيقة علمية ، وعندما يعجز الإنسان عن مشاهدة الفوتون[xv] لكنه يشاهد تردده الموجي – الذي يمثل أحد آثاره- علي شاشة أحد الأجهزة المعدة لذلك الغرض فإن وجود الفوتونات يعد حقيقة علمية.

هذا عن الحقائق ، ماذا عن النظريات والافتراضات العلمية ؟ إن النظريات والافتراضات العلمية هي أطروحات تسعي لتفسير وجود الحقائق العلمية وتفاعلها مع بعضها البعض ، فالنظريات والافتراضات ليست في ذاتها إخباراً عن “الحقيقة” بل هي مجرد محاولة لتفسير حقيقة علمية من وجهة نظر صاحب النظرية أو واضع الفرضية. من هنا يتضح لنا البون المعرفي الشاسع بين الحقائق العلمية والنظريات والافتراضات ، ففي حقيقة الأمر لا يفترض أبداً بالحقائق العلمية أن تتغير أو تتبدل ، بينما يفترض بالنظريات والافتراضات أن تتغير وتتبدل بشكل مستمر ذلك لأنها تعكس جهود ورؤي العلماء والباحثين لتفسير الظواهر الكونية التي يتم اكتشافها بمعايير الاستدلال علي الحقائق العلمية ، كذلك فمن الفروق الأساسية بين الحقائق والنظريات أو الفرضيات العلمية هو قابلية التحقق[xvi] ، فالحقائق العلمية تتوافر فيها قابلية التحقق بشكل جازم ونهائي ، بينما تسعي النظريات والفرضيات دائماً لتوفير نوع من قابلية التحقق يزيد من نسبة التأكد المتعلقة بكل نظرية أو فرضية علمية ، فقابلية التأكد للنظريات والفرضيات لا ترتقي أبداً لقابلية التأكد للحقائق العلمية.

المشكلة التي تطرحها معايير الاستدلال علي الحقائق العلمية أن تلك المعايير قادرة فقط علي الاستدلال علي حقائق “غير مهمة” بينما كل الحقائق المهمة لا يمكن الاستدلال عليها بتلك المعايير ، فيضطر العلماء إلي إخضاعها إلي معايير أقل من حيث الحجية المعرفية وهي معايير النظريات والفرضيات. يقول الفيلسوف الأمريكي البورفيسور فْرِيد بيرثولد : “إن الحقائق المهمة غير معروفة ، والحقائق المعروفة غير مهمة !”[xvii] ، فما هي معايير صياغة النظريات والفرضيات العلمية التي تجعل منها أقل بكثير من حيث الحجية المعرفية مقارنةً بالحقائق العلمية ؟

عندما تتعذر المشاهدات والتجارب المباشرة التي تستطيع أن تفسر ظاهرة ما ، فإنه يجوز أن يتم تفسير تلك الظاهرة بناءاً علي أساس مشاهدات وتجارب لا ترتبط بالظاهرة إلا من خلال قرينة جائزة ، بشرط أن يكون ذلك الارتباط خاضعاً لعدة مبادئ أهمها الخطئية[xviii] وقابلية التحقق ، وأن تصف النظريةُ الظاهرةَ بدقة كافية وأن تكون قادرة علي التنبؤ بتلك الظاهرة في المستقبل مع تغير عوامل حدوثها. هذا هو الإطار المعرفي للنظرية العلمية ، ولنضرب علي ذلك مثالاً واضحاً. عند دراسة ظاهرة التجاذب بين الأجرام السماوية المختلفة ، عجز نيوتن عن مشاهدة أو قياس قوي التجاذب بين الأجرام السماوية لكي يصيغ نظرية تصف تلك الظاهرة ، لكنه تمكن من مشاهدة مهمة علي الرغم أنها لا ترتبط بالظاهرة التي يدرسها ، هذه المشاهدة هي : حركة الأجرام السماوية ، فمن خلال “قرينة جائزة” هي افتراضه أن تلك الحركة مرتبطة بشكل أساسي بقوي التجاذب ، تمكن من صياغة قوانين الحركة التي تحدد علاقة الجاذبية بين الأجرام السماوية بناءاً علي كتلتها والمسافات بينها ، وكان ارتباط القرينة الجائزة -الافتراض الرياضي- بالظاهرة الغير مباشرة -حركة الأجرام- خاضعاً لإمكانية التحقق سواءاً في المعمل بإجراء تجارب مصغرة ، أو بدراسة حركة الأجرام السماوية المختلفة ، وكان كذلك بطبيعة الحال خاضعاً لبمدأ الخطئية الذي نؤجل شرحه إلي مقال آخر. ظلت نظرية نيوتن عن حركة الأجرام السماوية وسرعة الضوء ثابتة حتي بداية القرن العشرين عندما سقطت – أو بتعبير أكثر دقة سقطت حتميتها- مع انتصار النظرية النسبية لأينشتين.

ماذا عن الفرضيات العلمية ؟! إن الفرضيات العلمية هي الأقل مرتبة من حيث الحجية المعرفية بين أطروحات العلم التجريبي ، فالفرضيات هي ضرب من النظريات الذي لم تتوافر فيه المعايير الكاملة للنظرية ، فالفرضية ربما شابتها شوائب من حيث قدرتها علي التنبؤ بالظواهر في المستقبل ، أو يكون من غير الممكن إخضاعها لقابلية التحقق التجريبي ، أو ربما كان هناك ما يشوب القرينة الجائزة التي بنيت عليها تلك الفرضية. المثال علي ذلك فرضية الأكوان المتعددة التي تنص علي أن الوجود الذي نشاهده ونعيه ونصفه بالكون هو مجرد مجموعة عشوائية من التركيبات الطبيعية ضمن عدد لانهائي من المجموعات العشوائية المماثلة التي يُكوّن كل منها كوناً موازياً لكوننا ، فبالرغم من وجود قرينة جائزة قائمة علي إثباتات رياضية معقدة تؤيد هذه الفرضية إلا أنها تفتقر إلي ظواهر ومشاهدات تربط تلك القرينة الجائزة بظاهرة التدقيق المتناهي[xix] التي تسعي فرضية الأكوان المتعددة إلي تفسيرها في الأساس ، وبالتالي فالفرضية غير قابلة للتحقق أيضاً ، يما يجعلها دون مستوي الاعتبار كنظرية علمية.

إذن يمكننا القول أن الإجابة علي السؤال الثالث من الأسئلة الكبري لفلسفة العلوم يرسم حدوداً واضحة وفاصلة -من حيث الحجية المعرفية- بين الحقائق العلمية التي هي أعلي مراتب المعارف العلمية ، وبين النظريات والفرضيات العلمية التي هي محض أطروحات تسعي لوصف وتفسير الحقائق العلمية التي نطلق عليها اصطلاحاً : الظواهر الطبيعية. إن هذه الحدود الفاصلة بين مراتب المعارف العلمية ، ومعايير الحكم علي النظريات والفرضيات قد خضعت لجدل فلسفي كبير خلال القرن الماضي ، لاسيما مع أطروحات ميكانيكا الكم والفيزياء الحديثة ومنجزاتها في الكونيات والذرة ، ونتج عن هذا الجدل العديد من الأطروحات التي شكلت ولاتزال تحديات كبيرة أمام الفكر الإسلامي ، لاسيما مع السعي الغربي الدؤوب لنشر هذه الأطروحات من خلال الإعلام الفضائي والدراما بأنواعها المختلفة فضلاً عن برامج العلوم الشعبية المتعددة. في المقالات القادمة بإذن الله نسعي لدراسة أهم هذه الأطروحات بشكل أكثر تفصيلاً بما نرجو أن يضيف قيمة علمية وفلسفية تعين الفكر الإسلامي علي تجاوز محنته العالمية المعاصرة.

_______________________________

* نشر هذا المقال في مركز “نمــاء” للبحوث والدراسات : http://nama-center.com/ActivitieDatials.aspx?ID=112


[i] Priori

[ii] Empiricism

[iii] Logical positivism

[iv] Critical rationalism

[v] Causality

[vi] Popular science

[viii] Worm holes

[ix] Space-time

[xii] Multiverse hypothesis

[xiii] Scientific facts

[xiv] Peter Kosso (2011) A Summary of Scientific Method, Springer Verlag

[xv] Photon

[xvi] Verification

[xvii] Vaḥīduddīn K̲h̲ān̲ (2003) God Arises, International Islamic Publishing House, Riyadh, KSA

[xviii] Falsfiability

[xix] Fine Tuning

 

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

الفوضي الخلاقة في مصر : عام من اللاثورة (2)

تحدثنا في المقال السابق عن التوجه الأمريكي لتفعيل نموذج الفوضي الخلاقة في مصر مع وضوح الضعف الشعبي للتيارات الداعمة لسياسات الولايات المتحدة ، ومع ظهور آفاق متعددة للتأثير الإسلامي في السياسية المصرية تهدد المصالح الأربعة المقدسة التي تحكم علاقات أمريكا بمصر ، ووضحنا لماذا لجأت الولايات المتحدة لهذا الأنموذج ، وفي هذا المقال نعرض مدخلاً هاماً لفهم الاستراتيجيات الأمريكية في التعامل مع التيارات الإسلامية بعد 11 سبتمبر ، وهذا المدخل يشكل عاملاً بالغ الأهمية في التطرق بعد ذلك إلي ديناميكيات الفوضي الخلاقة كما تصنعها الولايات المتحدة في مصر للوصول إلي نظام سياسي يحظي برضا شعبي “لابأس به” وفي نفس الوقت يحافظ علي المصالح الأربعة المقدسة للولايات المتحدة..

غلاف التقرير الصادر عن مؤسسة RAND الأمريكية المختصة في الدراسات والبحوث المتعلقة بالسياسة الخارجية الأمريكية

في عام 2004 صدر تقرير بعنوان “الإسلام المدني الديمقراطي : الشركاء والموارد والاستراتيجيات” للكاتبة شيريل بينارد Benard عن مؤسسة راند البحثية المتخصصة في تقديم المشورة ودعم اتخاذ القرار الأمريكي تجاه العالم الإسلامي [1] وهذا التقرير حمل خلاصة الفكر الأمريكي في مرحلة مابعد 11 سبتمبر حيث ظهر جلياً الخطر الإسلامي علي المصالح والأطماع التوسعية الأمريكية فكان من الضروري صرف الجهود لصياغة استراتيجية طويلة الأمد للتعامل مع الفكر الإسلامي الذي بدأ في الانتشار السريع مع القفزات الإعلامية المتتالية التي شهدها العالم آنذاك ، وتبرز أهمية هذا التقرير في الموضوع الذي نناقشه الآن من جهتين : الجهة الأولي إدراك واستيعاب الفهم الأمريكي للتيارات الإسلامية والفكر الإسلامي بشكل عام وكيفية تلقي صناع القرار الأمريكيين للخطاب الإسلامي والجهة الثانية تحليل الأحداث السياسية التي جرت في مصر خلال الشهور الماضية من خلال هذا الفهم ومن خلال الاستراتيجيات التي قدمها هذا التقرير لصناع القرار الأمريكيين والذين بدت قناعتهم بها واضحة للغاية خلال الأعوام السابقة. في السطور القليلة القادمة نستعرض ملخصاً لهذا التقرير وأهم الاستنتاجات الاستراتيجية التي جاءت به.

بدايةً يذكر التقرير السبب الرئيسي وراء المشكلة بين الغرب والإسلام في أطروحتين رئيسيتين:

  1. الغرب وعلي رأسه الولايات المتحدة ودول شمال وغرب أوروبا يريد انطلاقاً من تصوره عن المستقبل العالمي واستقرار التفوق الحضاري له أن يدمج الدول والمجتمعات الإسلامية في “الحضارة الغربية” بعناصرها المختلفة مثل القيم الإنسانية الغربية والنظم السياسية والاقتصادية التي أنشأها الغرب ، وكذلك الاندماج في المنظومة الصناعية العالمية التي تري دول الشرق والجنوب مصادراً للخامات ودول الغرب والشمال مصادراً للعلم والتقنية ، وبالتالي فإنه انطلاقاً من هذا فتري الولايات المتحدة في الإسلام أيدولوجية تشكل تحدياً أمام هذه الرؤية وطرق تحقيقها نظراً لأن تاريخ العلاقة بين الغرب والإسلام يحتوي علي العديد من الصراعات والصدامات التي عادةً ما جعلت الغرب يري الإسلام علي أنه أيدولوجية توسعية تسعي لفرض وبسط هيمنتها علي العالم
  2. هناك خلاف بين المسلمين أنفسهم حول طبيعة العلاقة بين الإسلام والغرب ، وكذلك يوجد خلاف حول الموقف الواجب اتخاذه من الرؤية الغربية للعالم والأهداف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يفرضها المجتمع الدولي “بقيادة الولايات المتحدة” علي الدول والمجتمعات الإسلامية ، وهذا الخلاف في الحقيقة هو الذي يفرض علي الولايات المتحدة صياغة استراتيجيات متعددة للتعامل مع عناصره بشكل فعال.

ثم يشرع التقرير بعد ذلك في شرح الأطروحة الأولي بذكر العوامل الفكرية الإسلامية المقاومة للمشروع الغربي ، ثم ينتقل بعد ذلك لتحليل الفكر الإسلامي والتيارات الإسلامية وموقف كل منها من تلك العوامل ليخلص إلي استراتيجيات محددة للتعامل مع تلك التيارات بحيث يتم تحييد التأثير المعارض لها وجعم التأثير الموافق للمشروع الغربي ، وما يهمنا في هذا السياق التقسيم الذي يعرضه التقرير للتيارات الفكرية الإسلامية ، فهذا هو الذي ننطلق منه لتحليل الأحداث التي جرت علي الاحة الياسية المصرية خلال الأشهر القليلة الماضية ، فطبقاً لهذا التقرير تنقسم التيارات الإسلامية إلي أربعة أقسام:

  1. الأصوليون Fundamentalist : وهم الذين يرفضون القيم الثقافية الغربية المعاصرة ، ويريدون تأسيس دولة أو نظام سياسي سلطوي تكون الغلبة فيه للقيم الدينية والأخلاقية الإسلامية كما ينص عليها القرآن ونصوص السنة ، ولايمانعون في استخدام كل الوسائل التكنولوجية الحديثة لتحقيق ذلك الهدف. وهؤلاء الأصوليون عدائيون تجاه القيم الغربية والأمريكية بشكل خاص ويريدون تدمير قيم الحداثة الغربية.
  2. التقليديون Traditionalists : يريدون مجتمعاً محافظاً ومتشككون في قيم الحداثة والإبداع والتغيير ، وعلي الرغم من ذلك فالتقليديين عندهم رؤي أكثر اعتدالاً بكثير من الأصوليين تجاه القيم الغربية والحداثية علي اتساع الطيف الفكري لهذا التيار.
  3. الحداثيون Modernists : يريدون أن يجعلوا العالم الإسلامي جزءاً من المنظومة الحداثية العالمية ، وفي سبيل هذا يريدون إعادة صياغة الإسلام ككل ليصبح متوفقاً مع الحضارة الغربية ومتطلباتها. هذا التيار يوجد فيه عناصر تصفها العديد من المجتمعات الإسلامية بالتجديد والإبداع الفكري والأدبي
  4. العالمانيون Secularists : يتبنون رؤية مفادها أن العالم الإسلامي يجب عليه أن يفصل (الشريعة عن الدولة) كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية التي تفصل (الكنيسة عن الدولة) وعلي هذا فيريدون قصر (الدين) علي إطار الممارسات الفردية فقط. وهذا هو التيار الإسلامي الأقل حظاً ووجوداً ودعماً في العالم الإسلامي.

ثم يصيغ التقرير السياسات والاستراتيجيات التي يتوجب علي الولايات المتحدة اتخاذها حيال هذه التيارات المختلفة ، ونلخصها فيما يلي:

  • أولاً دعم الحداثيين ، وذلك عن طريق:
    • نشر انتاجهم الفكري والأدبي ودعمه
    • تشجيعهم للكتابة والإنتاج الفكري للشباب والشرائح الجماهيرية المختلفة
    • تقديم رؤاهم الحداثية في الإطار التعليمي والتربوي “الإسلامي”
    • إعطاؤهم منصات إعلامية ذات شعبية وجماهيرية
    • جعل آرائهم وأجوبتهم علي الأسئلة الإسلامية الأكثر أهمية متاحة للجماهير ومنافسة لآراء وأجوبة الأصوليين والتقليديين علي نفس الأسئلة والمتاحة من خلال العديد من دور النشر والمواقع والبرامج التلفزيونية
    • تصوير الحداثة والعلمانية علي أنها “بديل ثقافي” للأجيال الشابة من المسلمين المصابة بإحباط حضاري وشعور سلبي تجاه الإسلام
    • دعم الرؤي الحداثية التي تستلهم الجذور التاريخية والثقافية (الغير إسلامية) في البلاد المختلفة
    • المساعدة في تمويل وإنشاء منظمات مجتمع مدني تلعب دوراً في توفير فضاء تعليمي وتربوي للشباب ليتعلموا الفكر والممارسات السياسية الغربية والتعبير عن آرائهم الداعم لهذا الفكر وتلك الممارسات
  • ثانياً دعم التقليديين في مواجهة الأصوليين ، وذلك عن طريق:
    • نشر النقد “التقليدي” للفكر والممارسات “الأصولية” علي الجماهير من خلال وسائل الإعلام ، وتشجيع الخلافات الفكرية والسياسية بين التيارين
    • تشجيع التعاون بكافة صوره بين الحداثيين والتقليديين الذين يلتقون في نهاية الطيف الأيدولوجي لكل فريق منهما
    • القيام بتعليم وتدريب التقليديين -كلما كان ذلك متاحاً- بمهارات وأفكار وأطروحات لمقاومة الأصوليين وأفكارهم وخطابهم الذي أحياناً ما يجذب الشباب لعلوه وتفوقه الفكري الإسلامي
    • زيادة تواجد الحداثيين في المؤسات التعليمية التي تنتمي للتيار التقليدي
    • التفرقة بين العناصر المختلفة في الفكر التقليدي ، فعلي سبيل المثال يندرج الأحناف في آسيا الوسطي والوهابيين في الجزيرة العربية تحت التيار التقليدي ، لكن الفرق بينهما كبير ، فعلي هذه التفرقة يجب دعم هؤلاء الأحناف أكثر في مواجهة العناصر التقليدية الأخري كالوهابية
    • دعم انتشار وجماهيرية الفكر والتيار الصوفي بكل الأشكال والطرق
  • ثالثاً محاربة ومواجهة الأصوليين ، وذلك عن طريق:
    • تحدي تفسيرهم للإسلام ونصوصه وكشف -وافتعال إن تطلب الأمر- أي تناقضات في ذلك التفسير
    • كشف الصلات بينهم وبين الجماعات والمجموعات التي تصنفها الولايات المتحدة والغرب علي أنها جماعات ومجموعات إرهابية
    • نشر العواقب الأمنية والعقابية لتصرفاتهم وفكرهم
    • تكوين صورة إعلامية متكاملة مفادها أن هؤلاء الأصوليون غير قادرين علي حكم بلادهم وتحقيق تطور اقتصادي وصناعي حقيقي بتلك البلاد
    • توجيه تلك الرسائل السابقة إلي مجموعات جماهيرية بعينها مثل : الشباب – المجتمعات التقليدية – النساء – الأقليات الإسلامية في الغرب
    • التجنب التام لرم أي صورة “بطولية” للأصوليين حتي ولو علي سبيل “الأبطال الأشرار” بل يجب تصويرهم إعلامياً دائماً علي أنهم “مشتتين فكرياً – جبناء – ووضيعين”
    • تشجيع الصحفيين والإعلاميين علي كتابة تقارير صحفية وإعلامية تصف الفساد المالي والأخلاقي في دوائر الأصوليين ومجموعاتهم
    • تشجيع بعض الفرق “الأصولية” الأقل خطراً ومحاولة توجيههم للفكر التقليدي
  • رابعاً دعم وتقوية بعض العناصر العلمانية المختارة ، وذلك عن طريق:
    • اتخاذ الأصوليين كعدو مشترك بما يمنع احتمالية الاتحاد أو التعاون بين الأصوليين وبين بعض التيارات العلمانية في مواجهة النفوذ الغربي والأمريكي بشكل خاص علي أسس مثل القومية العربية أو الفكر اليساري
    • دعم فكرة أن الشريعة والدولة يمكن الفصل بينهما في الإسلام كما هو الحال في المسيحية وهذا لا يهدد الإيمان الإسلامي بأي حال.

التقرير في مجمله يضع ما يسميه الغربيون بـ (القيم الفكرية للحضارة الغربية) في مواجهة مع (نصوص القرآن والسنة) كما يفهمها هؤلاء الذين أطلق عليهم التقرير “الأصوليون” ويدعو التقرير إلي دعم المجموعات التي تعمل علي صياغة فهم جديد وحداثي لهذه النصوص يخالف الفهم الأصولي لها ، وهذه المجموعات هي كل التيارات الإسلامية الـ(غير أصولية) والتي كشف التقرير العديد من صفاتها وخصائصها ، والتقرير يطرح ؤالاً هاماً علي العقل الإسلامي ألا وهو : ماهي المقاييس أو المعايير التي يحدد من خلالها صناع القرار الأمريكيون “نوع” تيار إسلامي ما بالنسبة للتقسيم السابق ؟

يقدم وصف كل تيار من خلال التقسيم الوارد في التقرير أهم جزء من الإجابة علي هذا السؤال ، فالمنطق يقول أن تصنيف أي تيار إسلامي طبقاً للتقسيم الوارد سيكون من خلال الخطاب الإعلامي والأدبيات التنظيرية لهذا التيار ، فالتيار الذي يتبني فكراً معارضاً للهيمنة السياسية الغربية ومطالباً بتطبيق الإسلام كما كان مطبقاً في عهد الخلافة الراشدة سيكون خطاباً يصنف أصحابه كأصوليين ، أما إذا كان الخطاب لا يتطرق إلي هذه المواضيع ويكتفي بمطالبة المسلمين بالمحافظة علي تعاليم دينهم -مع الوضع في الاعتبار الطيف الواسع لهذه التعاليم- سيصنف أصحابه كتقليديين ، بينما سيقع المطالبون بـ(تحديث) الإسلام وتطويره حتي يتناسب مع منظومة القيم الغربية -حتي وإن كان هذا مستتراً بستار الاجتهاد- في خانة الحداثيين ، أما العلمانيون فلهم سمة واضحة للغاية وهي المطالبة بالتخلي عن الإطار القانوني والتشريعي والاجتماعي للشريعة الإسلامية والاكتفاء بالعبادات الفردية اللازمة ، القضية الكبري هي في تنزيل/تطبيق هذه المعايير علي التيارات الإسلامية في الدول العربية والإسلامية المختلفة ، وما يهمنا في هذا السياق هو تطبيق هذه المعايير علي الطيف الإسلامي في مصر حتي يمكننا فهم التأثير الأمريكي في السياسية المصرية عن طريق أنموذج الفوضي الخلاقة التي بات من الواضح أن التيارات الإسلامية تلعب -بإدراك أو بغير إدراك- دوراً رئيسياً فيها

للحديث بقية إن شاء الله

المراجع

[1] Cheryl Benard (2004) Civil Democratic Islam: Partners, Resources, and Strategies, RAND Corporation. URL: http://www.rand.org/pubs/monograph_reports/MR1716.html

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , ,

نظرية المعرفة في الفلسفة الغربية

لقد سعي الفلاسفة منذ فجر الحضارة الإنسانية إلي الوصول إلي تعريف مثالي وشامل للمعرفة ، فوصفها أفلاطون أنها “إعتقاد مبرر وصحيح” حيث يشترط ذلك التعريف أنه يجب علي الإنسان لكي “يعرف” شيئاً ما أن يكون موضوع ذلك الشئ صحيحاً في ذاته وأن يحوز الإنسان تبريراً منطقياً سليماً لمعرفة صحة ذلك الموضوع[i] ، فيشترط ذلك التعريف تحقق ثلاثة شروط لكي يطلق القول بمعرفة أطروحة ما : أن تكون تلك الأطروحة صحيحة ، ومبررة ، وأن يكون الإيمان بها/بصحتها مبرراً كذلك ، وكذلك عرفها معظم الفلاسفة الإغريق أو بتعريفات قريبة من ذلك ، وهذا التعريف يشمل معرفة القضايا الغير مدركة بالحس ، أو القضايا الميتافيزيقية ، لذلك فقد قام فلاسفة عصر النهضة الأوروبية مثل لوك وبيكون وهيوم بنقد هذا التعريف لعدم تقيده بالحس البشري ، فيعرف لوك المعرفة بأنها “إدراك الصلة والموافقة أو اللاموافقة بين الأفكار” وعرفها بشكل أدق عندما قام بتقييدها بالإدراك الحسي: “المعرفة مبنية بأكملها ومستمدة من الحواس أو ما يماثلها مما يمكن أن نطلق عليه الإحساس” ، وبينما يشتمل تعريف أفلاطون الكلاسيكي للمعرفة علي المعارف المدركة بالحس والاعتقاد والتخيل وغير ذلك ، فيقتصر تعريف لوك للمعرفة علي ثلاثة طرق للإدراك فقط : الإدراك التلقائي ، والإدراك التعلُّمي والإدراك الإحساسي ، فالإدراك التلقائي عند لوك هو ذلك الإدراك الذي لا يتطلب تدخل أي أفكار أخري لتحققه مثل إدراك الإنسان لوجوده فهو إدراك لا يحتاج لأي إثبات فكري أو منطقي ، بينما يتطلب الإدراك التعلُّمي تداخلاً لعدد آخر من الأفكار لتحقيق إدراك الفكرة محل البحث ، أما الإدراك الحسي فهو إدراك أي ظاهرة واقعة تحت النطاق الوظيفي لأحد الحواس الإنسانية الخمسة ، أما أي نوع من المعرفة لا يتحقق بهذه الطرق الإدراكية فلا يدخل في نطاق المعرفة عند لوك[ii] ، وبهذا أتم لوك عمل فرانسيس بيكون في إرساء أهم أصول المنهج العلمي التجريبي ، وأتي ديفيد هيوم أحد المعاصرين للوك لكي يتمم أصول ذلك المنهج الفكري بالخلاف الشهير الذي وضعه مع مبدأ الإدراك التلقائي ، حيث اقترح هيوم أن إدراك الوجود غير ممكن في ظل المبادئ التي أرساها لوك نفسه إذ أن استثناء إدراك هذا الوجود من اشتراط وجود أدلة عليه غير مبرر.

مما لاشك فيه أن موضوع نظرية المعرفة والأسئلة التي تطرحها تلك النظرية مثل تلك التي تتعلق بماهية المعرفة وطرق الوصول إليها واستدامتها وغير ذلك قد خضعت لقدر هائل من البحث والتأليف خلال رحلة الحضارة البشرية منذ بداية الوجود الإنساني إلي يومنا هذا ، ويمكن القول بشئ من الدقة أنه ليس ثمة تعريف متفق عليه وحاسم للمعرفة البشرية ، وأن كل التعريفات السابقة وغيرها قد خضعت لقدر لا يستهان به من النقد والتمحيص ، فعلي سبيل المثال معرفة حقائق الأشياء عند كانط مستحيلة كلياً ، حيث يفرق كانط بين ظواهر الأشياء وحقائقها ، حيث تختص الحواس البشرية بالتعرف علي ظواهر الأشياء فقط بينما لا يوجد لدي الإنسان ما يمكنه من معرفة الحقائق التي تكمن خلف تلك الظواهر ، وبما أن الافتراض بأن ظواهر الأشياء تعبر دائماً عن حقيقتها الكلية بدقة متناهية هو فرض يستحيل إثباته ، فتصبح المعرفة عند كانط متعلقة فقط بظواهر الأشياء ، وتصبح معرفة أبسط وأصح قواعد المنطق والرياضيات لا تمثل معرفة حقيقة ما تمثله تلك القواعد في الكون بل تمثل فقط الظواهر التي يمكننا إدراكها بحواسنا والتي لا تمثل بالضرورة قدراً معتبراً من الحقيقة ، ويعتبر كانط أن المعرفة الميتافيزيقية هي التي تختص بحقائق الأشياء التي لايمكن للإنسان أن يدركها بحواسه ، وبصرف النظر عن موقف كانط من الميتافيزيقا ورفضه الحاسم لها في مقابلة المنهج العلمي ، فإنه يعود إلي التعريف الأفلاطوني للمعرفة والذي يشمل الميتافيزيقا معاكساً بذلك أطروحة التجريبيين بأن مالايمكن إدراكه بالحواس لا يعتبر من ضروب المعرفة من الأساس.

كتب برتراند راسل وهو واحد من أهم فلاسفة القرن العشرين عن هذه الإشكالية ، إشكالية انعدام تعريف عام وشامل وصحيح للمعرفة البشرية ، فقال: “لسوء الحظ إن التوصل لتعريف للمعرفة هو أمر بالغ الصعوبة…” ويقسم راسل – تبعاً لكانط – المعرفة البشرية إلي قسمين القسم الأول معرفة الأشياء والقسم الثاني معرفة الحقائق[iii] ويذهب إلي أن إدراك الأشياء يتأتي باستخدام الحواس البشرية أما إدراك الحقائق فلا يتأتي بذلك وإنما يصبح متاحاً باستخدام ما أسماه راسل بـ(الإستنباط) وهو نشاط عقلي خاضع لقواعد العلم التجريبي ومستقل ورافض تماماً للميتافيزيقا ، ويذهب راسل الذي يعتبر أشهر فلاسفة الإلحاد في القرن العشرين إلي أن إدراك حقائق الكون العليا ممكناً عن طريق الاستنباط ، وهو ما يفتقر إلي الصحة المنطقية من الأساس إذ أن الاستنباط التجريبي يقود إلي “فرضيات” أو “نظريات” يحول بينها وبين اعتبارها “حقائق عليا” حوائل متعددة تبدأ باستحالة الإثبات الحسي وتنتهي بعدم القدرة علي التعميم الكلي لهذه الفرضيات بالنسبة للزمن والإدراك.

كان هذا عرضاً لمفهوم المعرفة البشرية في التراث الغربي/الأوروبي ، وهو كما يظهر للقارئ ممتلئ بالتناقضات والصراعات ، علق عليه المرحوم الدكتور أحمد فؤاد باشا[iv] قائلاً “…وقد وضعت في هذا المباحث عشرات المذاهب المادية والروحية المتنازعة فيما بينها علي قيود المعرفة وحدود اليقين في الوصول إلي الحقيقة. فعلي سبيل المثال لا الحصر تنكر الفلسفات الواقعية اعتبار العقل أداة لمعرفة الحقيقة ، ويرفض أصحاب الوجودية قدرة العقل علي إدراك التجربة الإنسانية الحية والإلمام بعلاقة الإنسان بالكون ، ويوحد أصحاب الفلسفة العلمية البراجماتية بين معني الفكرة وآثارها العملية في حياة الإنسان ، ويعتقد أصحاب النزعة العلمية المتطرفة أن الحقائق لا تكون إلا في العلم الطبيعي وحده ، ومن هؤلاء أصحاب الفلسفة التحليلية وأصحاب الفلسفات النسبية الذين استبعدوا الميتافيزيقا وكل تفكير قبلي من نطاق البحث بحجة أنها عقيمة غير نافعة من جهة ، وأنها تمثل مرحلة سابقة علي التفكير التجريبي الناضج من جهة أخري ، ومن بين فرقهم أيضاً أنصار التجريبية المنطقية أو الوضعية المنطقية الذين يتركون للعلم مهمة تفسير الكون بأسرها علي أن تؤسس نظرية المعرفة علي تحليل نتائج العلم فقط.” ، ويري الدكتور صلاح قنصوة[v] أن جزءاً كبيراً من الخلاف حول تعريف المعرفة يمكن حسمه بتقسيمها إلي ثلاثة أقسام رئيسية : العلم ، اللاعلم ، وغير العلم ، فالعلم هو بحث نظري أو جهد مبذول للمعرفة والفهم الذي يحيط بظواهر الطبيعة علي أن تشمل الطبيعة كلا من الإنسان والعالم المحيط به[vi]  ومن ثم التحكم في تلك الظواهر واستغلالها ، أما اللاعلم فيشمل الأنشطة التي تهدف لنفس هدف العلم ولكنها تضاد العلم في طريقة إثباتها لأطروحاتها وعدم تقيدها بالمنهج التجريبي في الاستدلال مثل السحر والتنجيم ، أما القسم الثالث من أقسام المعرفة ، غير العلم ، فيشمل الفن والدين والفلسفة والأيدولوجيا ، وهو قسمٌ معرفي لا يتفق مع العلم لا في أهدافه ولا في منهجه ، ويجزم الدكتور قنصوة – مؤيداً لفيجل[vii] – أنه “مهما يتقدم العلم فلن تجور حدوده علي مناطق نفوض تلك الأنشطة والمجالات ومن هنا تختلف صلة العلم بها عن صلته بما هو لاعلمي أو مضاد للعلم.”


[i] Chisholm, Roderick (1982) Knowledge as Justified True Belief, The Foundations of Knowing.Minneapolis:University ofMinnesota Press.

[ii]Cranston, M. (1957) John Locke: A biography.London: Longman’s Green & Co.

[iii] Bertrand Russel (1957) The problems of philosophy

[iv]  أحمد فؤاد باشا (1984) فلسفة العلوم بنظرة إسلامية ، الطبعة الأولي ، دار المعارف

[v]  صلاح قنصوة (2002) فلسفة العلم ، الهيئة المصرية العامة للكتاب

[vi] W. Hull (1959) History and philosophy of science, Longmans London

[vii] C.F. Feigl (1964) Philosophy of science, in Philosophy, Shlatter, R. et al. (eds.)

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , ,

اَلْدَّوْلـَـةُ اَلْمَـدَنِيّةُ وَالْإِسـْلَامُ

الكتاب متاح في كافة فروع دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة في القاهرة والمحافظات وذلك بدئاً من يوم الإثنين 21 نوفمبر

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , ,

الإِسْلامِيّونْ…وجَبَهَةُ الإِصْلاحِ الحَقِيقِيّةِ

في عام 2009 نشرت صحيفة المصريون الموقّرة ملخصاً لخطاب السفيرة الأمريكية السابقة مارجريت سكوبي في حفل بمناسبة مرور ثلاثين عاما على إنشاء المركز الثقافي الأمريكي بالإسكندرية ، كشفت فيه النقاب عن عزم الولايات المتحدة علي إنشاء : “العشرات من المدارس النموذجية بالقاهرة والإسكندرية بمناهج وإدارة أمريكية كاملتين بتمويل من المعونة الأمريكية، وبالاتفاق مع وزارة التربية والتعليم ، وقالت إن الدراسة بتلك المدارس ستكون بالمجان، وتخصص للطلاب المتميزين ممن تنطبق عليهم الشروط الأمريكية، وأوضحت أن الهدف من ذلك هو تخريج مئات الطلاب سنويا ليكونوا نواة لقاعدة طلابية متوافقة مع أحدث الأساليب المتبعة بالولايات المتحدة” [1] ، وقبل ثلاثة شهور ، وأمام الكونجرس الأمريكي أدلي عدة خبراء دوليون في شئون الحركات الإسلامية المصرية بشهادتهم بشأن تطور موقف تلك الحركات علي الساحة السياسية المصرية بعد الثورة ، وفي التوصيات الملحقة بتلك الشهادات أوصي الأستاذ الدكتور أحمد صبحي منصور رئيس المركز العالمي للقرآن الكريم والأستاذ السابق بجامعة الأزهر الإدراة الأمريكية بالتدخل المباشر في تغيير أنظمة التعليم المصرية بما يشمل الأزهر ومؤسسات التعليم العالي حتي يمكن للولايات المتحدة أن ترقي صورتها في عقول المصريين ، وحتي يمكنها الفوز في الحرب الفكرية ضد ما أسماهم بــ”السلفيين الراديكاليين” ، وحتي يمكن للإدارة الأمريكية أيضاً أن تضمن تقبل الشعب المصري للديمقراطية والليبرالية بأنموذجيها الأمريكيين [2].

وبعيداً عن الولايات المتحدة التي تشكل أهم وأخطر عائق أمام المشروع الإسلامي في مصر ، فإن الواقع المصري يبرز لنا ظاهرتين في غاية الأهمية والخطورة أيضاً ، الظاهرة الأولي هي الغياب الكامل لأي منظومة تعليمية متقدمة ومتطورة وعاية الجودة ذات مرجعية إسلامية بل إن المنظومات الأعلي جودة والأكثر تطوراً وتقدماً هي منظومات غربية إما أمريكية علمانية أو فرنسية نصرانية مثل مدارس الراهبات المنتشرة في المدن المصرية ، أما الظاهرة الثانية فهي حالة فقدان الهوية الثقافية والحضارية التي يعاني منها الإنسان المصري علي تنوع بيئته وطبقته الاجتماعية والتي نجحت الأنظمة المصرية منذ انقلاب يوليو 1952 في تثبيتها في وعي وعقل الإنسان المصري بشتي الصور والأشكال ، فمبادئ القومية العربية قد استبدلت بمبادئ الإنتماء للأمة الإسلامية ، والحطام الذي يسمي بـ(الثقافة المصرية) قد استبدل بالثقافة الإسلامية المستمدة من السنة النبوية المطهرة وتراث الأجيال الأولي لهذه الأمة ، وبالتالي فأصبح الإنسان المصري رهين ثلاثة محابس : الأول هو الحدود الجغرافية التي رسمتها له قوي الاحتلال الغربي بدئاً من اتفاقية سايكس-بيكو وانتهاءاً باتفاقية الجلاء المشئومة ، والثاني هو النظام القومي الوطني الذي أسسه عبد الناصر علي جماجم الدعاة والمفكرين الإسلاميين اقتداءاً بتجارب الثورات الشيوعية والاشتراكية آنذاك ، والثالث هو نظام التعليم الغربي القائم علي المبادئ المهلكة للمادية Materialism والحداثة Modernity والذي أصبح هو (التعليم العام) إلي يومنا هذا ، حتي الأزهر الشريف تم اعتقاله في هذا المحبس أيضاً بتشويه نظام الدراسة فيه وطمس الهوية الإسلامية لمناهجهه التعليمية إلي حدٍ كبير.

إذن فالنظر إلي هاتين الظاهرتين بعين الإعتبار سيرينا أن الأجيال الناشئة في مصر الآن ليس أمامها نظام تعليم عالي الجودة ومتطور إلا كان محفوفاً بالثقافة التغريبية التي تسلخ التلاميذ في هذه السن المبكرة مما قد تبقي من هويتهم الإسلامية والتي ربما يتلقاها بعضهم علي يد أبويه إن كانا ممن يعرف بعض ملامح تلك الهوية الضائعة ، أما الجيل الفاعل في مصر الآن وهو جيل الشباب فقد تم تغريب أغلبه من خلال ما ذكرنا من عناصر ثقافية مزيفة أفرزت وحشةً مظلمةً بين أبناء هذا الجيل وبين أمتهم الإسلامية العالمية ، بما تحمله من مشاكل وهموم وأزمات ، وفي نفس الوقت تقف الولايات المتحدة موقفاً متربصاً لا تري من خلاله سوي مصالحها التي ترتكز علي أربعة محاور كما ذكرت في مقالي السباق [3] ، وأهم هذه المحاور يتطلب استمرار عملية التغريب الثقافي والفكري الحادثة في مصر وذلك من خلال عدة مسارات أهمها التعليم ، ومنظمات المجتمع المدني ، والفنون والإعلام.

أين الإسلاميون من كل هذا…؟

 منذ عهد عبد الناصر إلي نهاية عهد مبارك مرَّ الإسلاميون بعدة محن وانفراجات ، وهبط منحني الدعوة الإسلامية إلي مستويات تكاد تقترب من الصفر ، وصعد وارتفع إلي مستويات تكاد تقترب من القمة ، لكن خلال كل تلك العقود كان محظوراً علي أصحاب المشروع الإسلامي باختلاف أطيافهم ومسميات جماعاتهم أن ينشئوا منظومات تعليمية خاصة بهم ترتكز علي مبادئ الشريعة الإسلامية لبناء إنسان مسلم مدرك لعمقه الثقافي الحضاري وقادر علي مواجهة التحديات التي تفرضها مكتسبات الحضارة الإنسانية الحديثة سواءاً كانت تلك التحديات علمية أو اقتصادية أو أدبية ثقافية. وهذا الحظر كان يرجع لإدراك أهمية التعليم في السيطرة علي الجماهير سواءاً من النظام الشمولي اليساري لعبد الناصر ، أو من النظام المدعوم أمريكياً وصهيونياً الذي أسسه السادات باتفاقية كامب ديفيد وخلفه مبارك وعصابته علي رأس ذلك النظام فيما بعد ، فتوصيات المركز الثقافي الأمريكي بالقاهرة والتي كانت تعتبر من أهم المراجع لصياغة سياسة مصر إبان عهد المخلوع كانت لا تخلو من التنبيه علي تطوير التعليم بما يتوافق مع الأهداف الأمريكية في مصر ، وأحياناً كانت تطلب من الحكومة المصرية هدم ما (تعتقد) الولايات المتحدة أنه مدارس إسلامية ، وكانت جماعة الإخوان المسلمين هي المستهدف الأول من تلك المطالب لاسيما وأن التيار السلفي كان محظوراً عليه علي الإطلاق إقامة مثل هذه المدارس ، وحادثة مدرسة الجزيرة بالإسكندرية لا تزال ماثلة في الأذهان.

وبالتالي فإن سؤال الإسلاميين عن دورهم في مواجهة الغزو التغريبي من خلال توفير أنظمة تعليمية عالية الجودة وعلي قدر منافس من التقدم والتطور لأنظمة التعليم التغريبية لن يكون مجدياً علي الإطلاق ، إذ أن خلال الستين عاماً الأخيرة كانت كل التيارات الإسلامية ليس لها منافذ لنشر أفكارها سوي من خلال المساجد والقليل من الجمعيات الخيرية وعلي الرغم من فعالية العمل من خلال تلك المنافذ إلا أن الفكر الذي ينشر بهذه الطريقة لا ينجح في بناء الجيل المطلوب للنهضة الإسلامية الحقيقية والتي يعتقد البعض أن بوادرها قد بدأت تلوح في الأفق القريب الآن ، وذلك لعدة أسباب ، من أهمها: 1- أن التعليم الأساسي والمتوسط هو أهم مرحلة يتم فيها بناء الهوية الإسلامية للإنسان ، وفي أغلب الأحيان يصعب مخاطبة النشئ في هذا السن من خلال المساجد ووالدروس والخطب الوعظية ، حيث يكتسب الطفل أغلب العناصر المكونة لهويته الثقافية من المدرسة ثم البيت 2- أن المواد المتاحة للخطاب الفكري من خلال المساجد لا تعدو أن تكون مواد دينية بحتة ربما تعلقت بالعقيدة أو الفقه أو تحفيظ القرآن ، بينما المواد الثقافية مثل التاريخ الحديث للأمة الإسلامية ونقد الفكر الغربي بمختلف صوره والتي تستطيع بالفعل مواجهة الخطاب الفكري التغريبي السائد في المجتمع من غير الممكن توجيهها من خلال المساجد ، لا سيما للنشئ والأطفال 3- انعدام المنهجية التربوية في الخطاب الفكري في المسجد ، وذلك لأن القائمين علي وضعه وتدريسه وتقييمه من غير المتخصصين في تقنيات التربية وعلومها بل هم في الأغلب من الدعاة الدينيين والشباب المتحمس لنشر علوم الدين والفقه وتحفيظ القرآن ، وغياب المنهجية التربوية يجعل تأثير الخطاب الفكري في المسجد يتطاير بسهولة بمجرد احتكاك المتلقي بمناهج فكري قائم علي أسس تربوية وتلقينية صحيحة كذلك الذي يقدم من خلال الإعلام الحكومي والخاص وكالموجود في المدارس الغربية المنتسرة في مجتمعاتنا والتي يأتي جزء غير صغير من مناهجها وطرق التربية والتدريس فيها من دزل غربية كأمريكا وفرنسا وانكلترا.

و بعد انهيار النظام الطاغوتي منذ ستة اشهر تقريباً تغير هذا الواقع تماماً ، فقد أصبحت الفرصة متاحة تماماً أمام التيارات الإسلامية – بكافة أطيافها – للجهاد في جبهة الإصلاح الحقيقية ، وهي جبهة إيجاد منظومات تعليمية عالية الجودة وبالغة التقدم والتطور ذات أسس ثقافية وفكرية إسلامية ، والتي يفترض بها أن تهدف إلي : 1- توفير مدارس أهلية متميزة لأبناء الدعوة الإسلامية ليحظوا ببناء ثقافي إسلامي أفضل مما حظي به الجيل الحالي في الدعوة وبالتالي يحدث تطور نوعي في وسائل تحقيق المشروع الإسلامي في المستقبل القريب 2- مقاومة المد التغربي في التعليم الخاص ، والذي يلجأ إليه العامة – في حالة قدرتهم علي تكاليفه – ابتغاءاً للجودة المتوفرة فيه والتقدم العلمي الغربي الذي سيتيح لأبنائهم معيشة أفضل في المستقبل 3- مقاومة الفكر التربوي والتعليمي والإعلامي التغريبي المنتشر في المجتمع والذي يتهم الإسلام – والإسلاميين علي حدٍ سواء – بالتخلف العلمي و العجز عن مواكبة العصر والتقدم والإلمام بمكتسبات الحضارة الإنسانية المعاصرة ، ودحض ذلك الزاعم عن طريق ضرب أمثلة حية بمنظومات تعليمية فائقة الجودة وبالغة التقدم والتطور مبنية علي أسس ثقافية وفكرية إسلامية مستمدة من الكتاب والسنة النبوية المطهرة والتراث النقي لهذه الأمة.

لكن ما رأيناه من التيارات الإسلامية – وأخص بالنقد الدعوة السلفية لأن قادتها كانوا من أكثر المفكرين الذين أصلوا لأهمية هذه الجبهة في الصراع لإعادة بناء الحضارة الإسلامية – أن خلال الستة أشهر التي تلت سقوط النظام قد تم تأسيس حزب تابع للإخوان المسلمين وثلاثة أحزاب تابعة للدعوة السلفية باختلاف أطيافها…ولم يتم تأسيس مدرسة نموذجية مثالية إسلامية واحدة…! ولم يتم تأسيس وإطلاق مشروع قومي لإنشاء مدرسة أهلية واحدة علي الأقل بكل محافظة توفر نظاماً تربوياً وتعليمياً علي قدر فائق من الجودة منصهراً مع مناهج ثقافية إسلامية تعيد بناء الثقافة الإسلامية المحطمة عند أبنائنا…! ومن خلال مئات البرامج التلفازية التي تقدم علي كل القنوات الإسلامية لم نسمع أحداً يتحدث عن بناء مشروعٍ تعليمي إسلامي متقدم يقود أبناء الدعوة الإسلامية لتحقيق ما عجز آبائهم عن تحقيقه…!

بالطبع فإن الأولويات السياسية التي فرضت نفسها علي كل التيارات الإسلامية يمكن تفهمها واستيعابها ، لكن ما لايمكن تفهمه ولا استيعابه هو الغياب الكلي لأهم أولويات المشروع الإسلامي المصري ! وما لا يمكن تفهمه ولا استيعابه أيضاً هو الاستغراق الكامل لكل أجنحة التيارات الإسلامية – والدعوة السلفية خصوصاً – في الأنشطة السياسية وما يتعلق بها ، بما أفرز لنا ثلاثة أحزاب سياسية – خاضعة لقانون الأحزاب بطبيعة الحال ومع ذلك أطلق عليها أنها (ذات مرجعية سلفية !!) – نظمت مؤخراً بالتعاون مع معظم مشايخ التيار السلفي تظاهرة مليونية ضخمة للاعتراض علي (احتمال) قيام الحكومة بوضع مبادئ حاكمة للدستور – وبعيداً عن الإجابة المستحيلة عن سؤال (لماذا ثلاثة أحزاب وليس حزباً واحداً طالما كان كل منها ذو مرجعية سلفية ؟) فإننا في نفس الوقت لم نر أو نسمع عن أي حملة من هذه الأحزاب أو هؤلاء المشايخ (الداعمين للأحزاب) لجمع تبرعات أو طرح أسهم من خلال اكتتاب عام لإطلاق أول مؤسسة تعليمية إسلامية تقوم بأداء فرض الكفاية عن المسلمين ، والنضال علي جبهة التعليم ضد التغريبيين وضد مخططات الولايات المتحدة للمزيد من الإفساد في حياتنا التعليمية والتربوية والثقافية !!

إن من يظن أن وصول الإسلاميين إلي سدة الحكم سواءاً بأغلبية برلمانية أو كرسي الرئاسة أو كليهما معاً سوف يجعل تطبيق خطة الإصلاح الإسلامية التي لاتزال حلماً يراود الإسلاميين أمراً متاحاً وممكناً ، إن من يظن هذا فقد جانبه الصواب جملةً وموضوعاً. إن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي الغربي لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام سقوط أهم دولة إسلامية وعربية في أيدي التيارات الإسلامية التي يدركون جيداً مدي خطورتها علي النظام العالمي الذي جاهدوا مئات السنين لإرسائه ، ومن ثم فإن الإسلاميين سيتعرضون لمحن كبيرة في حالة اصرارهم علي الإصلاح من خلال قمة الهرم السياسي والاجتماعي فقط ، وسيحتاجون للدعم الشعبي (الفكري وليس العاطفي) لمواجهة مثل هذه المحن وما سيصاحبها من تحديات اقتصادية جمة [3] ، فكيف سيتمكن الإسلاميون من الحصول علي هذا الدعم الشعبي مع غياب جيل مؤهل ثقافياً وإسلامياً لاستيعاب مبررات الإسلاميين لخوض مثل هذه المحن ومواجهة مثل هذه التحديات ؟؟ كيف سيقنع الإسلاميون جماهير الشعب المصري بواقعه الثقافي والديني الحالي بتحمل عقوبات دولية اقتصادية – قد تتسبب في أزمات غذائية وصحية مخيفة – محتملة للغاية في حالة وصول التيار الإسلامي لسدة الحكم ؟ كيف سيقوم الإسلاميون في حال وصولهم لسدة الحكم في المستقبل القريب بإصلاح منظومة التعليم الحكومية المهترئة والتي تم تدميرها وتشويهها علي مدار الستة عقود الأخيرة ، مع غياب تعليم أهلي فعال يفي باحتياجات الإسلاميين أنفسهم أثناء الوقت الذي سيتطلبه إصلاح تلك المنظومة الحكومية المتحللة…؟ هذه الأسئلة موجهة بشكل رئيسي إلي شيوخ التيار السلفي الذين كانوا يناضلون في سبيل إصلاح (قاعدة الهرم) طوال الأربعة عقود الأخيرة ، والذين تحولوا بالكلية إلي إصلاح (قمة الهرم) وأهملوا (قاعدته) كلياً بعد أن أصبحت جاهزة تماماً للإصلاح…!

المراجع

1- ” لتخريج أجيال متأثرة بالأسلوب الأمريكي.. “سكوبي” تعلن إنشاء مدارس أمريكية بالقاهرة والإسكندرية الدراسة فيها بالمجان” – صحيفة المصريون بتاريخ 21-10-2009 ، بقلم أحمد حسن بكر

2- “خبراء يدلون بشهاداتهم أمام الكونغرس الأمريكي عن الإخوان المسلمين” تقرير منشور بمركز المسبار للدراسات والبحوث ، بتاريخ 14-06-2011 – http://www.almesbar.net/index.php?option=com_k2&view=item&id=191

3- خيارات الإسلاميين أمام مستقبل العلاقات المصرية – الأمريكية – صحيفة المصريون بتاريخ 07-08-2011 بقلم د. خالد صقر ، http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=72566

 نشر هذا المقال في صحيفة المصريون بتاريخ 16-08-2011

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

 
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 295 other followers

%d bloggers like this: