RSS

Tag Archives: بحث عن الإعلام المصرى

نظرة فى الإعلام المصري المعاصر وتأثيره على الرأي العام: حرية التعبير بين الوهم والحقيقة

فى الفترة الأخيرة دأب العديد من رموز الإعلام المصري على الحديث عن الحرية والشفافية التي أصبح الإعلام يتمتع بها فى السنين الأخيرة[1]، بينما جاءت الكثير من الأصوات الحكومية والمستقلة بتأييد وثيقة ضبط الإعلام الفضائي والتي يعتقد بعض المحللين أنها جاءت لخفض السقف الممنوح لوسائل الإعلام فى مصر وبعض الدول[2]. على الجانب الآخر، وصفت دراسة حديثة مقدمة من إحدى الباحثات بكلية الإعلام بجامعة القاهرة الممارسات الصحفية المصرية بأنها تتعرض لمعوقات تتمثل في [الأجهزة الأمنية والسلطة السياسية على الصحفيين- القوانين والتشريعات الصحفية- السياسة العامة التي يفرضها النظام الحاكم- الضغوط التي يفرضها رؤساء التحرير على الصحفيين- ضعف أجور ومرتبات الصحفيين] على حد تعبير الدراسة[3].

وهذا الخلاف يجسد الواقع الإعلامى الذى أسفر عن انشقاق المؤسسة الإعلامية المصرية إلى فريقين، الأول يرى أن الحرية الإعلامية تتقدم بشكل مطرد وأن القيادة السياسية المصرية العليا قد بدأت فى السير الحثيث تجاه ما يوصف بـ[حرية التعبير] و[الديمقراطية] على الرغم من وجود بعض السلبيات في النظام، والفريق الثاني يرى أن الإعلام المصري لا يزال يرزح تحت قيود الرقابة ويقف صامتا خلف خطوط حمراء رسمت له بعناية فائقة، وهذا الانشقاق، ولا شك، له التأثير الأكبر فى توجيه الرأي العام المصري، وبالتالي التحكم في متغيرات القرار السياسي على المستويين الداخلي والخارجي.

ففى السطور التالية نحاول أن نعرض تأثير كل فريق على الرأي العام المصري وتوجيهه، من حيث الواقع السياسي والقضايا المطروحة داخلياً وخارجياً، والهدف من الدراسة أن نقف على الدوافع الحقيقية لكل من هذين الفريقين، ومدى مشاركته الحقيقية في العملية السياسية في مصر.

 

مفهوم وخصائص الرأي العام

 

إن التعريفات المتعددة لمعنى ومفهوم الرأي العام، بالرغم من اختلافها الظاهري، إلا أنها تتشابك فيما بينها لترسم إطاراً مشتركا يحدد التفاعلات المختلفة التي تنشأ من الرأي العام وتترتب عليه، فقد عرفه فلويد أولبورت[Floyd Allport[4 بأنه "تعبير عدد كبير من الأفراد عن آراءهم في موقف معين إما من تلقاء أنفسهم أو بناء على دعوة توجه إليهم، تعبيرا مؤيدا أو معارضا لمسألة أو شخص معين أو اقتراح ذي أهمية كبيرة، بحيث تكون نسبة المؤيدين أو [المعارضين] في عدد ودرجة اقتناعهم وثباتهم واستمرارهم… كافية لاحتمال ممارسة التأثير على اتخاذ إجراء معين، بطريق مباشر أو غير مباشر تجاه الموضوع الذي هم بصدده” اهـ، فمفهوم الرأي العام يستلزم وجود [جماعة] من الأفراد الذين يشتركون فى خصائص متعددة تجعلهم يهتمون بنفس [القضية] أو [الإشكالية] و يتفاعلون معها تفاعلاً [عقلياً] أو [شعورياً] لينتج ذلك التفاعل [تعبيراً] بصورة مفهومة من صور التعبير فتسمى المحصلة النهائية لذلك التفاعل بـ”الرأي العام”[5].

فشروط تكون الرأي العام هي

 أ‌- وجود [جماعة] من الأفراد يشترك أفرادها فى خصائص واهتمامات كافية لحثهم على الاهتمام بقضايا وإشكاليات مشتركة، وقد تكون هذه الجماعة مجتمعاً كاملاً، وقد يحوي المجتمع الواحد جماعات مختلفة لا تتشارك فيما بينها بالقدر الكافي لتكوين رأيٍ عامٍ واحدٍ في قضية بعينها.

 ب‌- وجود قضية أو إشكالية محددة، تؤثر بالإيجاب أو السلب على تلك الجماعة.

 ت‌- طرح هذه القضية أو الإشكالية على الجماعة المعنية بحيث يعي كل أفراد الجماعة معطيات القضية.

 ث‌- تكون رد فعل جماعي تجاه القضية المطروحة ينتج عنه تعبير معين وهو ما يسمى بالرأي العام.

فالدور الرئيسى للإعلام هو طرح القضايا والإشكاليات المختلفة التى تعرض للمجتمع أو لفئات معينة منه، وإعطاء الفرصة للجماهير للتعبير عن رد فعلها تجاه تلك القضايا، وبالرغم من ذلك فقد دأبت القوى السياسية المختلفة في مراحل كثيرة من التاريخ الحديث على محاولة استخدام الإعلام كأداة لتشكيل وعي المجتمعات، حتى تتمكن القوى السياسية ذات المصلحة من السيطرة على التفاعل الجماعي تجاه قضايا محددة إيجاباً أو سلباً، فإن الإعلام منذ الحرب العالمية الثانية قد أصبح في كثير من البلاد أداة [لصناعة] رأيٍ عامٍ يشارك في تحديد القرارات السياسية لصالح الجهة [المهيمنة] عليه، بدلاً من أن يصبح أداة [للتعبير] عن الرأي العام الذي [تصنعه] الجماعات والشعوب بمحض إرادتها[6].

فحتى يدرك القارئ مدى تمتع وسائل الإعلام في بلد ما، مصر فى هذا السياق، بما يسمى [حرية التعبير] يجب أن نطرح القضايا والإشكاليات التي يتناولها الشارع المصري ، ثم نرصد كم من هذه القضايا يطرح أصلاً على وسائل الإعلام من كلي الفريقين السابقين، وإذا طرح أي منها، هل يطرح بالشكل الذي [يعبر] عن التفاعل الجماعي حول هذه القضية، أم يطرح بالشكل الذي يساعد على [إحداث] تفاعل جماعي [بطريقة ما].

 

موقف الإعلام من القضايا الداخلية

 

نسرد فيما يلي بعضاً من أهم القضايا الداخلية المطروحة على المجتمع المصري ثم نناقش دور الإعلام في عملية صياغة الرأي العام للمجتمع المصري تجاه تلك القضايا.

 

‌أ- التدهور الاقتصادي والاجتماعي

في الخمس سنوات الأخيرة ارتفع معدل الفقر فى مصر بشكل مفجع، حيث وصلت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر من الشعب المصرى إلى أكثر من 50% من تعداد السكان[7]، ومع تفاقم أزمة الغذاء العالمية توالت الأحداث الكارثية التي كشفت عن مدى هشاشة النظام الاقتصادي المصري، وخلوه من أي مصادر تنموية تسمح للشعب أن يواكب الأزمات العالمية بشكل آدمي.

وترى الطبقة العريضة من الشعب، والتي تضم هؤلاء الذين حصرتهم المؤسسات الدولية تحت خط الفقر، أن السبب الرئيسي خلف تلك الأوضاع المتردية هو الحزب الوطنى وسياساته التى [تبيع مصر تحت مصطلح الخصخصة] على حد تعبير كل من الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري والمهندس يحيى عبد الهادى الناشط بحركة كفاية العلمانية المعارضة[8] والتي تحظى بتأييد شعبي ظهر أول تأثير فعال له في أحداث القضاة ثم ظهر تأثيره المتزايد في الرأي العام المصري في أحداث 6 إبريل من هذا العام، وبالتالى فإن الرأي العام المصري يتشكل تجاه هذه القضية محملاً قيادة الحزب الوطنى المسئولية الكاملة عن الفساد الذي يصدر ويمارس من قبل بارزين في هذا الحزب، كما يظهر ذلك واضحاً في العديد من المقالات والكتابات التي تنشر على العديد من مواقع الإنترنت المصرية المنتمية لاتجاهات معارضة.

 

‌ب- إشكالية التوريث

هذه الإشكالية تأتي على قمة القضايا السياسية الداخلية المطروحة على مائدة النقاش السياسي اليومي، فينقسم المجتمع المصري لأربع جماعات تكون أربعة آراء عامة في هذه القضية:

 ‌ب-1- الجماعة الأولى وهي الطبقة الفقيرة أو المعدمة، ويمكن القول بأن هذه الطبقة لا تتفاعل كلياً مع هذا الطرح.

 ‌ب-2- الجماعة الثانية وهى الطبقة المتوسطة والتى تضم فئات المتعلمين بشكل عام، وتتميز هذه الفئة بتمتعها بقدر من الوعي والثقافة والإلمام بمتغيرات الواقع، وترى هذه الجماعة أن حدوث التوريث وصعود جمال مبارك لمنصب رئيس الجمهورية سيزيد الوضع السياسي سوءاً والاقتصادي تردياً، ومما يساهم في تكون هذا الرأي لهذه الطبقة المعاناة الشديدة التي يعانيها أفراد هذه الطبقة مع النظم التعليمية والإدارية والحكومية للدولة.

 ‌ب-3- الجماعة الثالثة، وتضم الطبقة فوق المتوسطة، وهم صغار رجال الأعمال والتجار والأثرياء الجدد، وهم يرون أن سياسة الحزب الوطني ستظل كما هي، بلا تغيير، بصرف النظر عن شخصية رئيس الحزب، ولا يظهرون تفاعلاً حقيقياً مع هذه الإشكالية.

 ‌ب-4- الجماعة الرابعة، وتضم كبار رجال المال والأعمال في مصر، ومؤخراً أصبحوا هم أنفسهم من قيادات الحزب، بل وأعضاء في البرلمان ومجلس الوزراء، وبطبيعة الحال فهم يؤيدون صعود جمال مبارك لسدة الحكم، بل ويأملون في حدوث ذلك سريعاً.

 

‌ج- قضية الإخوان المسلمين

ظهر الإخوان المسلمون خلال العشر سنوات الأخيرة بمظهر سياسيين محنكين أكثر من مظهر دعاة للدين الإسلامي، وتجسد ذلك في حرصهم البالغ على خوض الانتخابات البرلمانية والمحلية والطلابية، وبعدهم الملحوظ عن الخطاب الديني لعامة الناس، على العكس من التيارات الإسلامية الأخرى التي يزداد عدد المنتسبين إليها بشكل متنامٍ، وعادة ما يدور الحديث حول أطروحات وإشكاليات الإخوان فى مصر حول محورين رئيسيين:

 ‌ج-1- إمكانية استحواذ الإخوان على جزء أكبر من السلطة السياسية فى مصر.

 ‌ج-2- مدى صلاحية وكفاءة الإخوان فى إدارة شتى أمور الدولة في حالة ما إذا تمكنوا بشكل أو بآخر من الوصول لسدة الحكم، أو على الأقل المشاركة الفعالة في الحكومة.

عادة ما تدور حول المحور الأول الطبقة التى تتمتع بانتماء ديني، ولو يسير، وتتقبل الإخوان بشكل عاطفي أكثر مما يكون فكرياً، بينما يدور حول المحور الثاني المتأثرين بالتيارات العلمانية والنصارى والقوى المساندة للحكومة بشكل أو بآخر، وخاصة أن تنظيم الإخوان المسلمين قد فشل -عملياً على الأقل- في إدارة جهازه الإعلامي، فضلاً عن طرح قدرته على إدارة الدولة على مائدة النقاش، وقد تجسد هذا الفشل في إصرار هذا الجهاز على التعامل مع الجماعة وأعضائها بشكل لا يتفق تماما مع كون الجماعة محظورة قانوناً فى مصر[9]، وتجسد أيضاً في الارتباك الذي صاحب قضية الدكتور يوسف القرضاوي الأخيرة مع وكالة أنباء مهر الإيرانية، والذي لم ينجح الإعلام الإخواني في إخفائه.

 

‌د- الفساد المالي والأمني

وهاتان القضيتان هما أكثر ما يؤرق الشريحة العريضة من الشعب، والتي تتقاسم فيما بينها الفـقـر المالي وما يتبعه من انعدام السلطة والنفوذ وتعرض أفرادها للانتهاكات المالية والجسدية من بعض الفئات في السلطة التنفيذية، فيما أصبح ما يشبه العرف السائد في كثير من المدن والقرى المصرية، ومن الأمثلة على ذلك:

 ‌د-1- انتشار المخدرات ، وانخفاض أسعار الأنواع الخطيرة منها ، وتمكنها من أحياء كاملة كما في الإسكندرية والقاهرة، والسكوت [المريب] من أجهزة الأمن تجاه هذه الظاهرة، وتجسد ذلك السكوت في وصول حجم تجارة المخدرات في مصر إلى 213 مليار جنيه خلال العشر سنوات الأخيرة، وعدد المدمنين إلى خمسة ملايين مدمن[10]، فيما يعزو البعض ذلك السكوت إلى استنزاف موارد المؤسسات الأمنية في دعم الأمن السياسى لحماية النظام الحاكم في مصر[11].

 ‌د-2- قضايا التعذيب المتكررة، والتي يقوم بها موظفون في أجهزة الشرطة المختلفة، والتي يصر الإعلام [الحر] على أنها [استثناءات] قليلة، والتي تجسدت مؤخرا في عدة قضايا منها على سبيل المثال قضية المواطن أحمد صابر والمواطنة رضا شحاتة على يد أفراد من قوات الشرطة[12].

ويسود فى المجتمع بكافة طوائفه استياء شديد تجاه تلك الظواهر، عبر عن بعضه في تلك الاعتصامات والاضرابات التي شهدتها البلاد في النصف الأول من هذا العام.

 

‌ه- تمديد العمل بقانون الطوارئ

وأتى هذا التمديد بمثابة صاعقة للمؤمنين بحرية الإعلام المزعومة، فارضاً سطوة النظام والحزب من جديد معلنا أنه لا صوت فوق صوت الحزب، ولا إرادة فوق إرادة الحزب، وتصاعدت الأصوات كلها كالمعتاد، تتهم رئيس الوزراء، وأعضاء البرلمان، وتحملهم المسئولية أمام الله وأمام التاريخ، رئيس الوزراء الذي لا يملك من أمره شيئاً أمام أمين التنظيم بالحزب أو أمام أمين لجنة السياسات، وأعضاء البرلمان الذين يتكون نصفهم من العمال والفلاحين والذين انضموا للحزب بعد فوزهم في انتخابات البرلمان -كمستقلين- بأيام!

 

موقف الإعلام المصري من تلك القضايا

 

بالرغم من افتراق أجهزة الإعلام المصرية -الحكومية وغير الحكومية- إلى شقين فيما يخص التعاطي مع مفهوم حرية الإعلام الذي يطرحه الحزب الوطني على أنه من أحد إنجازات الرئيس حسني مبارك، إلا أن هذين الفريقين قد اتحدا مجدداً في الموقف من القضايا الداخلية التي تواجه الشعب المصري.

فمن المشاهد أن كل وسائل الإعلام لا تتفاعل مع القضايا التى تمس [الحزب] و[رئيس الحزب] الوطني بشكل يعبر عن الرأي العام السائد فى المجتمع كما ذكرنا، بل تعمل تلك الأجهزة [لتصنع] أو [تتحكم] في التفاعل الذي يؤدي إلى حدوث [الرأي العام] ، فنضرب على ذلك مثالين، الأول يخص حملة الهجوم التي قادها الإعلامي الكبير عمرو أديب ضد المهندس أحمد عز، محملاً إياه بشكل أو بآخر مسئولية ارتفاع أسعار الحديد، وواصفاً إياه بأنه [صاحب الكلمة العليا] في الحزب الوطني، فإن تلك الحملة، بكل بساطة، تهدف لخلق وتكوين رأي عام سلبي تجاه أحمد عز عن طريق تصويره بأنه هو المسئول عن ارتفاع الأسعار، وهو الذي [يتحكم] في نواب الحزب الوطني في البرلمان، وهذا بالطبع سيمتص الرأي العام المتكون سلبيا تجاه رئيس الحزب أو غيره.

والمثال الثاني هو الحملات الشرسة المستمرة تجاه الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء، بنفس الوتيرة التي تتم بها الحملة تجاه المهندس أحمد عز، وتحميله مسئولية تمديد العمل بقانون الطوارئ، وكأنه يعمل بإرادته الحرة المطلقة، وكأن الحزب [الحاكم] بلا رئيس… والنتيجة واحدة، نظيف يتحمل المسئولية كاملة، مسئولية قانون الطوارئ وغيره، أما من أتى به رئيساً للوزراء، ومن مدد العمل بقانون الطوارئ لأكثر من ربع قرن، فليس عليه من الوزر شيء، ودائماً أبداً، مايتوقف الإعلام [الحر] عند شخص الرئيس، حتى عندما يرسل برقية لتهنئة رئيس إسرائيل بما أسماه عيد الاستقلال…!

المثير والطريف في هذين المثالين، أن كلاً من عز ونظيف لا يزالان فى موقعيهما بلا أدنى تغيير، وكأنما تلك الحملة تدار حتى تصل إلى قمتها، أي عندما يصل الشعب إلى قمة الاحتقان، وعندما يأتي رئيس وزراء جديد، ستصاحبه حملة إعلامية مضادة لتكوين رأى عام إيجابي يمتص طاقة الشعب لبرهة من الزمن، مع بقاء الحزب الوطني وربما رئيسه، وبالطبع سياساته وقواعده، كما هى بلا تغيير، ومع إصرار الإعلام [الحر] على عدم التعرض لهذه النقاط إلا بشكل سطحي لا يعبر عن الرأي العام الحقيقي السائد بين الطبقة المطحونة من الشعب المصري، فالنتيجة لهذه الممارسات الإعلامية، التى قد يصفها ممارسوها بـ[الحرة]، أنها تدفع [المجتمع] ليتفاعل مع [قضايا الفساد] بشكل محدد يؤدي إلى إيجاد [رأيٍ عامٍ] سلبيٍ تجاه بعض العناصر البارزة في النظام ليتحملوا مسئولية تلك القضايا بحيث لا يرى الشعب حرجاً في بقاء الحزب ككيان ورئيسه كشخص في سدة الحكم عند تغيير تلك العناصر، وهذا ما يشتهر فى الأوساط المهتمة بالأمن السياسي بمصطلح [التلاشي] أى الإبقاء على حالتي الشحن والتفريغ المعنوي متتاليتين بحيث يلاشي تأثير إحداهما تأثير الأخرى.

فإذا ما قيل أن هذا خطأ، فهل يستطيع –على سبيل المثال– الإعلامي المعروف عمرو أديب[13] أن يناقش في برنامجه الواسع الانتشار [ والمشهور بتمتعه بالحرية والجرأة] أموال وشركات علاء مبارك ومصادرها؟ وهل يستطيع أن يثير قضايا المعتقلين المصريين… السياسيين والإسلاميين…؟ وهل يستطيع أن يطرح التبعية السياسية المصرية للولايات المتحدة… والتي يعبر عنها رجل الشارع باللهجة العامية فيقول [دي أمريكا يا عم... ضغطة زر]…؟ وهل يستطيع أي برنامج من هذه البرامج [الحرة] أن يفسر للمجتمع كيف تعترف مصر بالحكومة العراقية الموالية للاحتلال…؟ وهل ذلك قرار رئيس الوزراء والبرلمان أم قرار رئيس الدولة…؟ وهل يستطيع هو أو غيره من مشاهير الإعلام [الحر] أن يطرح قضية تحكيم الشريعة الإسلامية على أساس أنها لا تزال أهم نقاط الخلاف بين النظام وبين معظم الجماعات الإسلامية العاملة داخل وخارج مصر…؟ نحن لا نقلل من شأن أحد أهم الإعلاميين في مصر، ولكن نحاول أن نستكشف الحجم الحقيقي لتلك الحرية التي يتحدث عنها العاملون في الحقل الإعلامي منذ فترة ليست بالقصيرة.

 

موقف الإعلام من القضايا الخارجية

 

أ‌- معاهدة كامب ديفيد

ولاتزال تلك المعاهدة محل رفض شعبي، خاصة بعد إثارة موضوع بيع الغاز الطبيعي المصري لإسرائيل، ولا تمر مناسبة إلا ويشدد النظام المصري على التزامه الكامل والتام بشروط وبنود هذه المعاهدة، ضارباً عرض الحائط بالشعور الشعبي المصري، وعند الحديث عن هذه القضية، فإن التفاعل الشعبي معها يربطها بموقف النظام من الفلسطينيين ومن حركة حماس تحديداً التي تتمتع بقبول شعبي ضخم من المصريين، فيعتقد عامة المصريين أن تلك المواقف الحكومية التي يعتبرونها [مشينة] ضد الشعب الفلسطيني وقضيته إنما هي من بنود اتفاقية كامب ديفيد، وسواء أصاب ذلك الاعتقاد كبد الحقيقة أم لا، فإنه يدفع الرأي العام للمزيد من عدم تقبل تلك الاتفاقية وما يفترض أن يترتب عليها من تطبيع، وقد قوبلت بيانات جبهة علماء الأزهر في إدانة هذه الاتفاقية ونلك السياسات الحكومية بارتياح كبير من قبل الشارع المصري.

 

ب‌- الدعم العسكرى المقدم إلى القوات الأمريكية

وهذا الدعم، يتكتم النظام الحديث عنه، ولكن بين الحين والآخر تتسرب أخبار عنه كتلك الأخبار التى تسربت عن قيام حاملة طائرات أمريكية بقتل أحد المواطنين المصريين ممن يعملون في الصيد في منطقة قناة السويس[14]، بل وبعض الأخبار التي تناقلتها الكثير من المواقع والمنتديات الإخبارية على الإنترنت بوجود قواعد أمريكية على أرض مصر، بقرب القاهرة وعلى البحر الأحمر.

 

ت‌- التبعية المطلقة للسياسة الأمريكية في المنطقة

وظهر هذا مؤخراً في إقرار قانون الطفل وما صاحبه من سخط شعبي عارم على مستوى الطبقة المتوسطة، وفوق المتوسطة، وعلماء الأزهر الذين أكدوا –لأول مرة– من خلال جبهتهم أن هذا القانون محاربة لله ورسوله وصرحوا بما يمكن أن يعني أنه متابعة عمياء للسياسات الأمريكية التي تهدف لنشر الفحشاء والرذيلة في المجتمع[15].

 

موقف الإعلام المصري من القضايا الخارجية

عندما تتحول الدفة للحديث عن القضايا الخارجية وما ذكرناه كأمثلة محدودة عليها، فإن دور الإعلام، بجميع فرقه وطوائفه، الفريق الذي يزعم [الحرية] والآخر الذى يزعم [الاضطهاد]، ينحصر دور هؤلاء جميعا في [عدم] طرح تلك القضايا على مائدة النقاش البناء، أو بشكل آخر، ينحصر دورهم في ضمان بقاء [المجتمع] بعيداً عن [التفاعل] مع تلك القضايا، لأن ذلك التفاعل سينتج بالتأكيد [رأياً عاماً] سلبيا لا يمكن السيطرة عليه، فإنه من المشاهد أن تلك القضايا تمثل خطاً أحمر، وستظل كذلك، لكل الإعلاميين داخل مصر طالما كان النظام الحاكم يتبنى مواقف تغاير ما تريده الأغلبية العظمى من الشعب.

فالإعلام المصري المعاصر، الذي يدعي الحرية، لا يستطيع أن يعبر عن رأي الشارع المصري الذي رصدته دراسة إسرائيلية بأن 93% منه يرفض التطبيع ويرفض اتفاقية كامب ديفيد، وذلك الإعلام أيضاً لا يستطيع أن يعبر عن الرأي العام المصري الذي يرى السياسة الخارجية المصرية قراءة متقنة لتقارير السفارة الأمريكية بالقاهرة والمركز الثقافي الأمريكي بالإسكندرية[16]، ويكتفي فقط بإسقاط بعض العبارات والجمل المبتورة التي لا تكاد تحمل معانيَ متسقة، بينما يتخذ الإعلام المصري المضطهد ذريعة [الاضطهاد] الإعلامي لتبرير صمت أجهزته عن عرض تلك القضايا، ولا يمكن أن يعرض الإعلام المصري الحر السياسات والممارسات المصرية تجاه شعب غزة بأنه تعاون متقن وفى غاية الإخلاص مع جيش الإحتلال الإسرائيلي والمخابرات الأمريكية التي تدرب الضباط المصريين على هذه الحدود على تقنيات قمع إخوانهم الفلسطينيين[17].

الخلاصة

 

· الإعلام المصري يشارك في [صناعة] الرأي العام وليس في [التعبير] عن الرأي العام، وبالتأكيد ليس في [الرقابة] على النظام.

· ادعاء حرية الإعلام، يستحيل إثباته مع بقاء بعض القضايا، وهي الأكثر حساسية وأهمية، خلف الخطوط الحمراء، بل على العكس فإن بقاء هذه القضايا خلف الخطوط الحمراء والتلويح المصاحب لها بالحرية، يحمل فى طياته معان لا تخفى على العقلاء.

· دور الإعلام [الحر] في مصر ينحصر في اتجاهين، أولهما توجيه تفاعل الشعب مع بعض القضايا بحيث يحول اتجاه الرأي العام السلبي إلى أشخاص أقل أهمية من النظام وقياداته، وثانيهما صرف انتباه الطبقة العريضة من الشعب عن بعض القضايا الأخرى التي لا يمكن تعاطيها بشكل مقنع بما فيه الكفاية للسيطرة على الرأي العام فيها.

· إن الإعلاميين الذين يصفون ممارساتهم الإعلامية بـ[الحرية] يجب عليهم أن يراجعوا تلك الممارسات، والشرفاء منهم فقط هم الذين سيستمرون –فقط– بدون خطوط حمراء، أو سيتركون العمل الإعلامي إلى ميدان آخر للتعبير، أو ربما للتغيير.

 

المراجع

1. عمرو أديب، برنامج القاهرة اليوم – قناة أوربت الفضائية، الرابط: http://www.youtube.com/watch?v=ou0nZzQxUKA&feature=related

2. إيمان عبد الغني، “ارتفاع سقف حرية “الحوار” استفزت السلطات المصرية”، شبكة الإعلام العربية ، 15–04–2008، الرابط: http://www.moheet.com/show_news.aspx?nid=113171&pg=62

3. د. نرمين زكريا خضر، “اتجاهات القائم بالاتصال نحو مفهومي الحرية والمسئولية الاجتماعية للصحافة المصرية في الألفية الثالثة” ، مؤتمر “الإعلام بين الحرية والمسئولية” جامعة القاهرة – 01-07–2008

4. Floyd H. Allport Toward a Science of Public Opinion The Public Opinion Quarterly, Vol. 1, No. 1 [Jan., 1937], pp. 7-23

5. يونس زكور، الرأي العام: وقفة تأصيلية، الحوار المتمدن، العدد 1760 – 10-12–2006

6. Herbert I. Schiller The Mind Managers Beacon Press 1973

7. التقرير الاقتصادي السنوي للبنك الدولي – معدلات التنمية الاقتصادية لدول الشرق الأوسط 2006

8. يحيى حسين عبد الهادي، مصر تباع الآن… فمن يشتريها معي؟ الموقع الرسمي لحركة كفاية 01-06-2007

9. محمود سلطان، إعلام الإخوان المسلمين، جريدة المصريون، 13-20-2008، الرابط:

http://www.almesryoon.com/ShowDetails.asp?NewID=55034

10. منير أديب، مصر: خمسة ملايين مدمن وحملة شعبية ضد المخدرات، المركز العربى للمصادر والمعلومات حول العنف ضد المرأة – 06–04–2008

11. محمد جمال عرفة، مصر… الأمن “الجنائى” يوازن “السياسي” موقع إسلام أونلاين، الرابط: http://www.islamonline.net/arabic/politics/2004/03/article01.shtml

12. وكالات أنباء، مطالب بالتحقيق فى وفاة جراء التعذيب فى مصر – الجزيرة نت – 9-11-2007 الرابط:

http://www.aljazeera.net/News/archive/archive?ArchiveId=1074263

13. المدونة الرسمية لبرنامج القاهرة اليوم، الرابط: http://alkahera-alyoum.blogspot.com/

14. محيط – شبكة الإعلام العربية، الرابط: http://www.moheet.com/show_news.aspx?nid=105767&pg=1

15. جبهة علماء الأزهر، إلى المشرعين الذين فتحوا على الحرائر والعفيفات بمصر وبغيرها أبواب جهنم اللافحة بتأصيلهم وتقنينهم لجريمة الانحراف والزنا، بيان بتاريخ 11-06-2008، الرابط:

http://www.jabhaonline.org/viewpage.php?Id=1668

16. أحمد حسن بكر – جريدة المصريون عدد 19 سبتمبر 2008 – الرابط: http://www.almesryoon.com/ShowDetails.asp?NewID=54054&Page=6

17. جريدة الاتحاد الإماراتية، الرابط: http://www.alittihad.ae/details.php?id=26231&adate=2008

 

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , ,

 
تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 302 other followers

%d bloggers like this: