مما لاشك فيه أن سياسة أوباما تجاه العالم الإسلامي هي سياسة استثنائية ، علي الأقل من وجهة النظر الصهيوصليبية المحافظة التي يتبناها اليمين الأمريكي ، وتجسدت الاستثنائية السياسية في الخطاب الديبلوماسي وحالة “التطبيع” التي شهدتها إدارة أوباما مع العديد من المنظمات الأهلية الإسلامية بالولايات المتحدة ، والعمل علي اتخاذ موقف توافقي حيال ربيع الثورات العربي وعدم تقديم الدعم الكافي للأنظمة الديكتاتورية التي تضمن بها أمريكا أمان إسرائيل وقائياً ، ويحمل العديد من قادة اليمين الأمريكي أوباما مسئولية وصول العديد من تيارات الإسلام السياسي إلي سدة الحكم في البلدان العربية مثل تونس ومصر وليبيا ، علي الرغم من التقارير المعلوماتية التي أصدرتها العديد من المؤسسات الاستشارية الأمريكية والتي تؤكد “استئناس” حركات الإسلام السياسي بشكل يجردها من المخاوف الأصولية التي تهدد الوجود الصهيوني في الشرق الأوسط. هذه الرؤية التي يتمتع بها اليمين الأمريكي الآن تجاه تجربة أوباما تجعل أي نظام جمهوري قادم سيسعي بشكل رئيسي إلي الصدام (البارد) مع الأنظمة التي يراها تشكل عبئاً علي الهيمنة الصهيوأمريكية علي العالم العربي ، ومن جانب آخر فإن الكيان الصهيوني يرتعد فزعاً من الواقع المصري ، لاسيما والصهاينة لا يثقون في التقارير المنمقة التي تصدرها “رانــد RAND” وغيرها من المؤسسات الاستشارية الأمريكية والتي تطمئن الإدارة الأمريكية وحليفتها الاسرائيلية حيال حكم الإخوان المسلمين لمصر ، ومما يساعد علي نمو هذه المخاوف وانتشارها أن الصهاينة يتمتعون بحس “تاريخي” متميز يجعلهم لا يثقون ولا يصدقون في أن العداء التاريخي بينهم وبين الحركات الإسلامية منذ احتلال الأراضي المقدسة قد ينتهي بـ”السلام الدائم والعادل” الذي يلوحون به كطعم تستخدمه الأنظمة العربية القمعية لتنويم شعوبها وإسقاط الطموحات الملحة لاستعادة الأراضي المقدسة وتحرير فلسطين.
الصدام البارد الذي يعتبر الآن محتملاً بين الإدارة الأمريكية القادمة – إن كانت جمهورية – يحتوي علي عدة خيارات ذات طبيعة (عقابية) ربما تستخدمها الإدارة الأمريكية لتقليم مخالب الإسلاميين في مصر علي وجه الخصوص ، وهذه الخيارات تبدأ بالعقوبات الدولية التي احترفت الولايات المتحدة العمل بها وتطبيقها منذ هيمنتها علي الأمم المتحدة ، وبالنظر إلي قائمة واردات مصر من أمريكا ودول الناتو نعرف أن مثل هذا الحصار – حتي في أخف درجاته – سيكون شديد الوطأة علي الاقتصاد المصري ، وربما تسبب في أزمات دوائية و غذائية لا يستهان بها ، لاسيما مع حالة الانهيار الصناعي والزراعي التي تشهدها مصر ، والحجج التي ستبرر بها أمريكا فرضها لهذه العقوبات تتراوح بين السعي لحيازة أسلحة دمار شامل ، إلي دعم الإرهاب الدولي مروراً بدعم حركة حماس وتقويض الاستقرار في المنطقة.
الخيار الثاني الذي يطرح نفسه أمام الإدراة الأمريكية القادمة هو خيار الحرب الديبلوماسية ، فلاتزال دول التعاون الخليجي مرتبطة سياسياً واقتصادياً بأمريكا إلي حد لا يستهان به ، لاسيما في الفترة الأخيرة حينما تزايد نفوذ إيران في المنطقة ومع التزام الدول الخليجية بالتنسيق مع أمريكا لضمان استمرار اتزان القوي مع إيران والتصدي لمحاولاتها لاختراق دول الخليج ، فيحتمل أن تتدخل أمريكا ديبلوماسياً لتثبيط وتخميل العلاقات المصرية-الخليجية مما يفرض علي مصر التي تعتبر أحد أهم موردي العمالة الخليجية أن تتعاطي مع المطالب الأمريكية بنوع من البراجماتية التي تضمن رضا الصهاينة عن الإدارة الأمريكية التي ستكون وقتئذِ في موضع المقارنة مع إدارة أوباما أمام “إيبـاك” وغيرها من منظمات اللوبي الصهيوني. الضغط الديبلوماسي علي مصر من خلال العلاقات المصرية-الأفريقية واردٌ أيضاً ، وذلك مع استمرار الغياب المصري في منطقة حوض النيل وازدياد الوجود الأمريكي/الأوروبي/الإسرائيلي هناك ، وجدير بالذكر أن خلق المزيد من المشاكل حول قضايا المياه يؤدي دورين للإدارة الأمريكية : الأول الضغط علي النظام المصري الجديد وتطويعه ، والثاني جر مصر إلي الرد عسكرياً علي هذه الاستفزازات ومن ثم إيجاد مبرر لفرض عقوبات دولية علي مصر أو حتي تبرير تدخل عسكري أممي أو أفريقي محدود في جنوب مصر.
أما الخيار الثالث فيتلخص في استمرار دعم التيارات السياسية المناوئة للإسلاميين وتقوية المعارضة الليبرالية المساندة للسياسة الأمريكية ، وعندها لن يكون أمام النظام (الإسلامي) إلا البطش بتلك المعارضة بتهمة تلقي تمويلات خارجية وهو مما سيعطي الفرصة للإعلام الممول أمريكياً في مصر أن يصور للجماهير أن النظام الجديد يتعامل مع معارضيه بنفس أساليب مبارك ومن ثم السعي لحشد الجماهير في سلسلة احتجاجات أخري للتخلص من النظام الإسلامي وأركانه.
علي التيارات الإسلامية التي تسعي الآن لحكم مصر أن تدرس هذه الخيارات بجدية شديدة وحيادية مطلقة ، وإن اكتشفت أنها لا تمتلك المخططات والأساليب التي تمكنها من مواجهة هذه الخيارات فيجب عليها أن تبقي خارج دائرة الحكم وتكتفي بالمشاركة في الحكومة وبمشاركة محدودة في البرلمان ، أما الزعم بأن هذه التهديدات غير حقيقية أو التوهم أن أمريكا تنهار وهذا النوع من الخطاب (التغييبي) فلا يؤدي إلا إلي تغييب عقول وفكر الجماهير والإلقاء بهم في صحراء مقفرة من الواقع الافتراضي الذي لا يوصل بأي حال إلي غدٍ حقيقي!
__________________________________________________
(نشر هذا المقال بالمركز العربي للدراسات والأبحاث بتاريخ 12-01-2012)

