RSS

الولايات المتحدة واختراق منظمات المجتمع المدني*

15 يناير

خلال الثلاثة عقود الأخيرة تعرضت العديد من الأبحاث الرصينة التي تتناول أساليب الولايات المتحدة في توجيه السياسة العالمية لمناقشة وتحليل أساليب أجهزة الاستخبارات الأمريكية في اختراق منظمات المجتمع المدني في عدد من الدول ، وهذا الإختراق بحسب أحد هذه الأبحاث [1] يهدف إلي تحقيق أربعة أهداف رئيسية هي أولا: جمع وتصنيف المعلومات الاستخباراتية ، ثانياً: إضعاف سلطة النظام المناوئ لسياسات الولايات المتحدة ، ثالثاً: توفير الدعم الاستشاري للولايات المتحدة في تعاملها السياسي والإعلامي مع قضايا البلد ، ورابعاً: فتح قنوات تواصل لإقناع الجماهير بالرؤي الأمريكية السياسية والاقتصادية والثقافية ، فالاختراق السياسي والأمني لمنظمات المجتمع المدني من قبل الولايات المتحدة في عدد كبير من الدول تأتي علي رأسها إيران واليابان ليس بالأمر الجديد ، لكن الجديد والمثير أيضاً أن نعلم أن هذا الإختراق قد وصل لهذا القدر من النضج في مصر كما كشفت وثائق ويكيليكس الأخيرة كما عرضتها الصحف المصرية وعلي رأسها المصريـون خلال الأيام القليلة الماضية.

يقول البروفيسور ويليام روبنسون أستاذ العلوم السياسية بجامعة كاليفورنيا في كتابه “الصراعات الانتقالية في أمريكا الوسطي: الصراعات الاجتماعية والعولمة” [2] متحدثاً عن الاختراقات الأمريكية لدول أمريكا الوسطي خلال حقبة التسعينيات والتي كانت تهدف إلي القضاء علي أنظمة الحكم الشمولية في هذه البلاد : ” إن أهم تحدي كان يواجه الولايات المتحدة هو خلق قوة ضغط مناوئة للقوة الجماهيرية التي تعتمد عليها تلك الأنظمة ، وللتغلب علي هذا التحدي كان من الضروري أن يحدث اختراق شامل لكافة منظمات المجتمع المدني في الدول المستهدفة بالتغيير خلال الثمانينيات والتسعينيات ، وتم هذا الاختراق بتشكيل وتمويل منظمات مجتمع مدني جديدة شكلت الجبهة (التغييرية) الرئيسية للسيطرة علي المنظمات القائمة بالفعل ، فأنشئت العديد من المنظمات الأهلية والاجتماعية وتم تمويلها ودعمها من خلال العديد من البرامج السياسية والتعليمية الأمريكية ، مثل برامج “التسويق للديمقراطية Democracy Promotion” . لقد أوضحت في العديد من أبحاثي السابقة كيف تم توجيه هذه البرامج لخلق شبكات من المجموعات المدنية في كل دولة مخترقة وتضم كل شبكة منها العديد من هيئات الأعمال والاقتصاد والمؤسسات الإعلامية واتحادات الطلبة ومؤسسات دعم واتخاذ القرار بالإضافة إلي العديد من الهيئات المدنية النسائية واتحادات المزارعين ، وباستثناء حالات فردية فإن كل القادة الذين تم اختيارهم لقيادة هذه المؤسسات والهيئات قد تم انتقائهم من النخب السياسية المحلية في كل بلد ، وكان هؤلاء القادة لهم مهمة واحدة محددة وهي تسخير كل جهود المنظمات المدنية المدعومة أمريكياً للقضاء علي مظمات المجتمع المدني (القومية) القائمة بالفعل ومنع أي جهود جماهيرية تهدف لتكوين منظمات مجتمع مدني خارجة عن سيطرة ودعم الولايات المتحدة. لقد تم (اصطناع) العشرات من منظمات المجتمع المدني في دول أمريكا الوسطي من خلال برامج “تسويق الديمقراطية” التي تقدمها أمريكا وتم دعم عشرات المنظمات القائمة بالفعل وإعادة هيكلتها وتشكيلها بما يتوافق مع سياسات ومصالح الولايات المتحدة” أ.هــ

إذن فوثائق ويكليكس لم تكشف شيئاً جديداً بالنسبة للسياسات الاختراقية للولايات المتحدة والمتعلقة بمنظمات المجتمع المدني ، لكنها بالفعل كشفت العديد من التفاصيل الجديدة فيما يتعلق بالتطبيق علي الساحة المصرية ، فمن الواضح تماماً أن نسبة ضخمة من منظمات المجتمع المدني المصرية قد تم اختراقها امريكياً سواءاً بالاصطناع من الصفر أو بالتمويل وإعادة التوجيه ، فما هي التحديات التي يفرضها هذا الواقع علي صناع القرار القادمين لسدة الحكم في مصر في القريب العاجل ؟ أحاول فيما تبقي من المقال أن ألخص هذه التحديات بشكل يجعلها مستوعبة وواقعية في ظل موازين القوي العالمية والداخلية.

بالتأكيد لن تقبل الولايات المتحدة بالمساس القانوني أو السياسي بمنظمات المجتمع المدني ، فهذا يشل الإرادة الأمريكية في مصر ويعمي أبصارها ويصم أسماعها ، وعندئذ لن يكون هناك سبيل سوي تصعيد لهجة الخطاب إلي الساسة المصريين وربما تدويل القضية ، وقد شاهدنا رد فعل البيت الأبيض عند مداهمة الشرطة لبعض مكاتب هذه المنظمات ، إذن فخيار (التحييد القانوني) لا ينبغي أن يطرح في هذه المرحلة الدقيقة ، وعلينا أن نترك هذه المنظمات تعمل بحرية في الفترة القادمة ، ولكن في نفس الوقت لا ينبغي أن نقف مكتوي الأيدي ، فيجب أن تطلق الحكومة (بشكل واعي) مبادرة شعبية كبري تهدف لفتح الباب أمام مشاريع أهلية ضخمة ترعاها الحكومة أو المؤسسات المصرية العريقة مثل الأزهر أو الجامعات الكبري ، هذه المشاريع تهدف لتطوير وإعمار مصر ، وينبغي علي الحكومة التسويق بشكل جذاب جداً لهذه المبادرة بحيث تحصد الدعم الجماهيري والشبابي لها ، ومن ثم فإن الخامات التي تعمل علي استثمارها منظمات المجتمع المدني (الجماهير/الشباب) ستصبح غير متاحة لها.

بالإضافة إلي ذلك فيجب أن تسن قوانين تلزم منظمات المجتمع المدني وأعضائها بقدر ما من الخدمات الاجتماعية كمحو الأمية و تشجير الشوارع وغير ذلك ، بحيث توفرالحكومة الدعم المالي والبنية التحتية لهذه الأنشطة وتوفر منظمات المجتمع المدني القوة العاملة من أعضائها والمنتسبين إليها وتوفر أيضاً التخطيط لهذه الأنشطة ، بحيث يمكن من خلال هذه الطريقة استثمار القدرات البشرية لهذه المنظمات بعيداً عن ما يمكن أن يضر بالأمن القومي ، كما أن إثقال منظمات المجتمع المدني بهذه الأدوار سيحد بالتأكيد من عدد المنتظمين فيها وأعضائها.

التعامل مع منظمات المجتمع المدني المخترقة أمريكياً في مصر يحتاج لدهاء وحكمة شديدتين ، فعدم القدرة علي إدارة هذه الصراع قد يلقي بمصر في صراع دولي مع الولايات المتحدة ونحن في أشد الغني عن مثل هذا الصراع الآن ، كما أن ترك هذه المنظمات تمارس دورها المرسوم بعناية بكل حرية يشكل تهديداً لا شك فيه علي الأمن القومي المصري بقطاعاته المختلفة. القضية تحتاج لمزيد من البحث من المؤسسات المتخصصة وتحتاج لوضع خطة زمنية للتعامل معها بما يتماشي مع الخطة الزمنية التي تسير فيها البلاد لانتقال السلطة.

 المراجع

  1.  Muthiah Alagappa (2004) Civil society and political change inAsia: expanding and contracting democratic space, Stanford University Press
  2. William I. Robinson (2003) Transnational conflicts:Central America, social change and globalization, Verso Press

__________________________________

* نشر هذا المقال في صحيفة المصريون بتاريخ 14/1/2012

 

عن د. خالد صقر

باحث أكاديمي ومحاضر بجامعة ماليزيا التكنولوجية

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

 
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.