RSS

وثيقة المدينة بين الوهم والحقيقة

16 نوفمبر

نص الوثيقة

قال ابن هشام في سيرته (1 / 501 وما بعدها): (قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَتَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كِتَابًا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَادَعَ فِيهِ يَهُودَ وَعَاهَدَهُمْ وَأَقَرّهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَشَرَطَ لَهُمْ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَثْرِبَ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ إنّهُمْ أُمّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النّاسِ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ وَبَنُو عَوْف ٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، كُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَبَنُو سَاعِدَةَ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَبَنُو الْحَارِثِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَبَنُو جُشَمٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلِهِمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَبَنُو النّجّارِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى ، وَكُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَبَنُو النّبِيتِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى ، وَكُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَبَنُو الْأَوْسِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى ، وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : الْمُفْرَحُ الْمُثْقَلُ بِالدّيْنِ وَالْكَثِيرُ الْعِيَالِ . قَالَ الشّاعِرُ:

إذَا أَنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تَوَدّي أَمَانَةً    وَتَحْمِلُ أُخْرَى أَفْرَحَتْك الْوَدَائِعُ

وَأَنْ لَا يُحَالِفَ مُؤْمِنٌ مَوْلَى مُؤْمِنٍ دُونَهُ وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ أَوْ ابْتَغَى دَسِيعَةَ ظُلْمٍ أَوْ إثْمٍ أَوْ عُدْوَانٍ ، أَوْ فَسَادٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنّ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا ، وَلَوْ كَانَ وَلَدَ أَحَدِهِمْ وَلَا يَقْتُلُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا فِي كَافِرٍ وَلَا يَنْصُرُ كَافِرًا عَلَى مُؤْمِنٍ وَإِنّ ذِمّةَ اللّهِ وَاحِدَةٌ يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ دُونَ النّاسِ وَإِنّهُ مَنْ تَبِعَنَا مِنْ يَهُودَ فَإِنّ لَهُ النّصْرَ وَالْأُسْوَةَ غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مُتَنَاصَرِينَ عَلَيْهِمْ وَإِنّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ لَا يُسَالَمُ مُؤْمِنٌ دُونَ مُؤْمِنٍ فِي قِتَالٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ إلّا عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ وَإِنّ كُلّ غَازِيَةٍ غَزَتْ مَعَنَا يُعْقِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ يُبِئْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا نَالَ دِمَاءَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتّقِينَ عَلَى أَحْسَنِ هُدًى وَأَقْوَمِهِ وَإِنّهُ لَا يُجِيرُ مُشْرِكٌ مَالًا لِقُرَيْشٍ وَلَا نَفْسَهَا ، وَلَا يَحُولُ دُونَهُ عَلَى مُؤْمِنٍ وَإِنّهُ مَنْ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيّنَةٍ فَإِنّهُ قَوَدٌ بِهِ إلّا أَنْ يَرْضَى وَلِيّ الْمَقْتُولِ وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ كَافّةٌ وَلَا يَحِلّ لَهُمْ إلّا قِيَامٌ عَلَيْهِ وَإِنّهُ لَا يَحِلّ لِمُؤْمِنٍ أَقَرّ بِمَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَآمَنَ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَنْصُرَ مُحْدِثًا وَلَا يُؤْوِيهِ وَأَنّهُ مَنْ نَصَرَهُ أَوْ آوَاهُ فَإِنّ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللّهِ وَغَضَبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ وَإِنّكُمْ مَهْمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَإِنّ مَرَدّهُ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَإِلَى مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ وَإِنّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي النّجّار ِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف ٍ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْحَارِثِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ؛ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي سَاعِدَةَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ؛ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي جُشَمٍ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ؛ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْأَوْسِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف ٍ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ، إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَإِنّ جَفْنَةَ بَطْنٌ مِنْ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ وَإِنّ لِبَنِي الشّطِيبَةِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ، وَإِنّ الْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ وَإِنّ مَوَالِيَ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ وَإِنّ بِطَانَةَ يَهُودَ كَأَنْفُسِهِمْ وَإِنّهُ لَا يَخْرَجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا بِإِذْنِ مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِنّهُ لَا يُنْحَجَزُ عَلَى ثَأْرٍ جُرْحٌ وَإِنّهُ مَنْ فَتَكَ فَبِنَفْسِهِ فَتَكَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ إلّا مِنْ ظَلَمَ وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَبَرّ هَذَا ؛ وَإِنّ عَلَى الْيَهُودِ نَفَقَتَهُمْ وَالنّصِيحَةَ وَالْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ وَإِنّهُ لَمْ يَأْثَمْ امْرُؤٌ بِحَلِيفِهِ وَإِنّ النّصْرَ لِلْمَظْلُومِ وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ وَإِنّ يَثْرِبَ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَإِنّ الْجَارَ كَالنّفْسِ غَيْرَ مُضَارّ وَلَا آثِمٌ وَإِنّهُ لَا تُجَارُ حُرْمَةٌ إلّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا ، وَإِنّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ اشْتِجَارٍ يُخَافُ فَسَادُهُ فَإِنّ مَرَدّهُ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَإِلَى مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَتْقَى مَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَأَبَرّهِ وَإِنّهُ لَا تُجَارُ قُرَيْشٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا . وَإِنّ بَيْنَهُمْ النّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ ، وَإِذَا دُعُوا إلَى صُلْحٍ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ فَإِنّهُمْ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ وَإِنّهُمْ إذَا دُعُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنّهُ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إلّا مَنْ حَارَبَ فِي الدّينِ عَلَى كُلّ أُنَاسٍ حِصّتُهُمْ مِنْ جَانِبِهِمْ الّذِي قِبَلَهُمْ وَإِنّ يَهُودَ الْأَوْسِ ، مَوَالِيَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَلَى مِثْلِ مَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ. مَعَ الْبِرّ الْمَحْضِ؟ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَيُقَالُ مَعَ الْبِرّ الْمُحْسِنُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَإِنّ الْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ لَا يَكْسِبُ كَاسِبٌ إلّا عَلَى نَفْسِهِ وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَصْدَقِ مَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَأَبَرّهِ وَإِنّهُ لَا يَحُولُ هَذَا الْكِتَابُ دُونَ ظَالِمٍ وَآثِمٍ وَإِنّهُ مَنْ خَرَجَ آمِنٌ وَمَنْ قَعَدَ آمِنٌ بِالْمَدِينَةِ ، إلّا مَنْ ظَلَمَ أَوْ أَثِمَ وَإِنّ اللّهَ جَارٌ لِمَنْ بَرّ وَاتّقَى ، وَمُحَمّدٌ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .

 ثبوت الوثيقة تاريخياً

إن أقدم من أورد نص الوثيقة كاملاً هو محمد بن اسحق (ت 151 هـ) ولكنه أوردها دون إسناد. وقد صرّح بنقلها عنه كل من ابن سيد الناس في عيون الأثر (1/197-198) وابن كثير في البداية والنهاية (3/224-226) فوردت عندهما دون إسناد أيضاً، وقد ذكر البيهقي (السنن الكبرى 8/106) إسناد ابن اسحق للوثيقة التي تحدد العلاقات بين المهاجرين والأنصار دون البنود التي تتعلق باليهود لذلك لا يمكن الجزم بأنه أخذها من نفس هذه الطريق أيضاً.  فقال البيهقي: أخبرني أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد ابن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن ابن اسحق قال حدثني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس بن شريق قال أخذت من آل عمر بن الخطاب هذا الكتاب كان مقروناً بكتاب الصدقة. والحديث بهذا الاسناد ضعيف لأن عثمان تحملها وجادة وفي الاسناد رجال فيهم ضعف فأحمد بن عبد الجبار ضعيف وسماعه للسيرة صحيح، وعثمان بن محمد صدوق له أوهام ويونس بن بكير يخطىء.وقد ذكر ابن سيد الناس (عيون الأثر 1/198) أن ابن أبي خيثمة أورد الكتاب فأسنده بهذا الإسناد (حدثنا أحمد بن خباب أبو الوليد حدثنا عيسى بن يوسف حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار فذكر بنحوه ـ أي بنحو الكتاب الذي أورده ابن اسحق). ولكن يبدو أن الوثيقة وردت في القسم المفقود من تاريخ ابن أبي خيثمة إذ لا وجود لها فيما وصل إلينا منه. وكثير بن عبد الله المزني ضعيف  ومنهم من نسبه للكذب.

كذلك وردت الوثيقة في كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام باسناد آخر هو (حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير وعبد الله بن صالح قالا حدثنا الليث بن سعد قال حدثني عقيل بين خالد عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب بهذا الكتاب …) وسرده. كما وردت الوثيقة في كتاب الأموال لابن زنجويه من طريق الزهري أيضاً. وهذا الإسناد منقطع لأن الزهري من صغار التابعين فلا يحتج بمراسيله.

هذه الطرق التي وردت منها الوثيقة بنصها الكامل،  والتطابق كبير بين سائر الروايات سوى بعض التقديم والتأخير في العبارات أو اختلاف بعض المفردات أو زيادة بنود قليلة، ولا يؤثر هذا الاختلاف على مضمونها العام. وبهذا يتبين أن الوثيقة لا ترقى بمجموعها إلى مرتبة الأحاديث الصحيحة ولكن نصوصاً من الوثيقة وردت ـ كما سيأتي لاحقاً ـ في كتب الأحاديث بأسانيد متصلة، وإذا كانت الوثيقة بمجموعها لا تصلح للاحتجاج بها في أحكام الشريعة سوى ما ورد منها في كتب الحديث الصحيحة فإنها تصلح أساساً للدراسة التاريخية التي لا تتطلب درجة الصحة التي تقتضيها الأحكام الشرعية خاصة أن الوثيقة وردت من طرق عديدة تتضافر في إكسابها القوة، كما أن الزهري علم كبير من الرواد الأوائل في كتابة السيرة النبوية، ثم إن أهم كتب السيرة ومصادر التاريخ ذكرت موادعة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود وكتابته بينه وبينهم كتاباً مثل الطبري والبلاذري وابن حزم والمقريزي وابن كثير …

الوثيقة عند المحدثين

روى ابن سعد في الطبقات (1/172) باسناده عن عامر قال: قرأت في جفن سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذي الفقار: (العقل على المؤمنين ولا يترك مفرح في الإسلام ولا يقتل مسلم بكافر). وقد احتفظ علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيما بعد بالسيف وفيه الصحيفة، فعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ « قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ قَالَ لَا إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ قُلْتُ فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ الْعَقْلُ وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ». صحيح البخاري  (1/ 191). وعَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ وَقَالَ ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ وَمَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ». صحيح البخاري  (6 / 420). وقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا خَاصَّةً دُونَ النَّاسِ إِلَّا شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْهُ فَهُوَ فِي صَحِيفَةٍ فِي قِرَابِ سَيْفِي قَالَ فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَخْرَجَ الصَّحِيفَةَ قَالَ فَإِذَا فِيهَا مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ قَالَ وَإِذَا فِيهَا إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ حَرَامٌ مَا بَيْنَ حَرَّتَيْهَا وَحِمَاهَا كُلُّهُ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمَنْ أَشَارَ بِهَا وَلَا تُقْطَعُ مِنْهَا شَجَرَةٌ إِلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ وَلَا يُحْمَلُ فِيهَا السِّلَاحُ لِقِتَالٍ قَالَ وَإِذَا فِيهَا الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِه». مسند أحمد  (2 / 419). وكذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك. رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود. وكذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا معاقلهم وأن يفدوا عانيهم بالمعروف والإصلاح بين المسلمين. رواه أحمد (1/371) ومن الواضح أن هذه المقتطفات معظمها يطابق نصاً ما ورد في الوثيقة، كما أنها تغطي معظم بنود الوثيقة المتعلقة بالتزامات المسلمين من المهاجرين والأنصار تجاه بعضهم، ولكن ليس فيها إشارة إلى البنود المتعلقة بموادعة اليهود، مما يرجح أن الوثيقة في الأصل وثيقتان، وأن الصحيفة التي كانت معلقة بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم عند علي رضي الله عنه هي نفس الكتاب بين المهاجرين والأنصار.

خاتمـــــة

(1) ذكر المؤرخون الوثيقة في كتبهم بلا إسناد أو بإسناد منقطع أو ضعيف، فلا تصح الرواية في ميزان المحدثين، ولكن الوثيقة بالعموم صحيحة تاريخياً، لأن الرواية التاريخية لا يشترط لها ما يشترط للحديث الصحيح، ولكن في هذه الحال لا يصح أن يُستدل بها على الأحكام الشرعية.

(2) جاءت أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ببعض ما جاء في الوثيقة، فهذا الجزء يجوز الاستدلال به، ليس لوروده في الرواية التاريخية، بل لاتصال سنده الصحيح عند المحدثين.

(3) لم تذكر الروايات الصحيحة التي ذكرت الوثيقة شيئاً عن موادعة اليهود، مما يرجح أن الوثيقة وثيقتان، واحدة بين المهاجرين والأنصار، وأخرى بين المسلمين واليهود لكن المؤرخين جمعوا بين الوثيقتين.

(4) لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كتب كتاباً بينه وبين اليهود، كما تشير الرواية التاريخية، ولكن لا يستطيع أحد أن يجزم بمحتواها، فتبقى تفاصيل نصوص الوثيقة الخاصة بهم بلا مستند صحيح يؤهلها للاحتجاج بها.

(5) لا يصح الاستدلال بما جاء في الوثيقة لإقرار اليهود أو غيرهم على دينهم، لأنها حتى لو صح حديثها ـ وهو ضعيف كما تقدم ـ فهذه الأحكام مما نُسخ بعد ذلك، قال تعالى:[ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُون دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ]{التوبة: 29}. فهذه الآية وغيرها مما نزل في آخر ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ينسخ كل ما قبله من إقرار لغير المسلم أو عدم أخذ جزية منه.

(6) كما لا يجوز أن يستدل أحد اليوم والحال بيننا وبين اليهود مما لا يخفى على عاقل، بما كان من موادعة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود بالمدينة، فعندما اعتدى بعض بني قينقاع على أحد المسلمين، ورفض اليهود تسليم الجناة، قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى أجلاهم عن المدينة، وعندما غدرت بنو النضير وحاولوا اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، حاصرهم حتى أجلاهم هم الآخرين عن المدينة، وعندما نقضت قريظة العهد في الخندق، قتل النبي مقاتلتهم وسبى نساءهم. فهذا حال النبي الكريم مع من وادع من اليهود حين نقضوا عهودهم، فأين هذا من حالنا اليوم؟! ولا يكاد اليهود يبرمون معنا عهداً حتى ينقضوه، ويرتكبوا في حقنا كل الموبقات. فمن أراد الاستدلال بموادعة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود، فعليه أن يفعل فعل النبي الكريم معهم عندما غدروه ونقضوا عهودهم، أم هم ممن قال الله فيهم: [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمـَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ]{البقرة:85-86}؟!

(7) وأختم حديثي بكلام العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله في  السلسلة الضعيفة – (ج 3 / ص 222) في تعليقه على جزء من هذا الحديث: “ لهم ما لنا، و عليهم ما علينا . يعني أهل الذمة” . قال: باطل لا أصل له. وقد اشتهر في هذه الأزمنة المتأخرة، على ألسنة كثير من الخطباء والدعاة والمرشدين، مغترين ببعض الكتب الفقهية، مثل “ الهداية” في المذهب الحنفي، فقد جاء فيه، في آخر “ البيوع”: و أهل الذمة في المبايعات كالمسلمين، لقوله عليه السلام في ذلك الحديث، فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين، و عليهم ما عليهم. فقال الحافظ الزيلعي في “ تخريجه”: نصب الراية “ ( 4/55 )”: لم أعرف الحديث الذي أشار إليه المصنف، و لم يتقدم في هذا المعنى إلا حديث معاذ، و هو في “ كتاب الزكاة”، و حديث بريدة و هو في “كتاب السير”، و ليس فيهما ذلك. ووافقه الحافظ في “ الدراية” ( ص 289 ). قلت: فقد أشار الحافظان إلى أن الحديث لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، و أن صاحب “ الهداية” قد وهم في زعمه ورود ذلك في الحديث. و هو يعني – والله أعلم – حديث ابن عباس; و هو الذي أشار إليه الزيلعي “أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن فقال: إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، و أني رسول الله، فإن هم أطاعوك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم..” الحديث. و هو متفق عليه. فليس فيه – و لا في غيره – ما عزاه إليه صاحب “ الهداية”. بل قد جاء ما يدل على بطلان ذلك، و هو قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله.. فإذا فعلوا ذلك فقد حرمت علينا دماؤهم و أموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، و عليهم ما على المسلمين”. و إسناده صحيح على شرط الشيخين كما بينته في “الأحاديث الصحيحة” ( 299 ). فهذا نص صريح على أن الذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الجملة: “لهم ما لنا، و عليهم ما علينا”. ليس هم أهل الذمة الباقين على دينهم، و إنما هم الذين أسلموا منهم، و من غيرهم من المشركين!  و هذا هو المعروف عند السلف، فقد حدث أبو البختري: “ أن جيشاً من جيوش المسلمين – كان أميرهم سلمان الفارسي – حاصروا قصراً من قصور فارس، فقالوا: يا أبا عبد الله ألا تنهد إليهم؟ قال: دعوني أدعهم كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، فأتاهم سلمان، فقال لهم: إنما أنا رجل منكم فارسي، ترون العرب يطيعونني، فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا، و عليكم مثل الذي علينا، و إن أبيتم إلا دينكم، تركناكم عليه، و أعطونا الجزية عن يد، و أنتم صاغرون.”. أخرجه الترمذي و قال: “ حديث حسن” و أحمد ( 5/440 و 441 و 444 ) من طرق عن عطاء بن السائب عنه. و لقد كان هذا الحديث و نحوه من الأحاديث الموضوعة و الواهية سبباً لتبني بعض الفقهاء من المتقدمين، و غير واحد من العلماء المعاصرين، أحكاماً مخالفة للأحاديث الصحيحة، فالمذهب الحنفي مثلاً يرى أن دم المسلمين كدم الذميين، فيقتل المسلم بالذمي، و ديته كديته مع ثبوت نقيض ذلك في السنة على ما بينته في حديث سبق برقم (458)، و ذكرت هناك من تبناه من العلماء المعاصرين! و هذا الحديث الذي نحن في صدد الكلام عليه اليوم طالما سمعناه من كثير من الخطباء و المرشدين يرددونه في خطبهم ، يتبجحون به، و يزعمون أن الإسلام سوى بين الذميين و المسلمين في الحقوق، و هم لا يعلمون أنه حديث باطل لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم! فأحببت بيان ذلك، حتى لا ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل! و نحوه ما روى أبو الجنوب قال: قال علي رضي الله عنه: “ من كانت له ذمتنا ، فدمه كدمنا، و ديته كديتنا”. أخرجه الشافعي (1429) و الدارقطني (350) و قال: “ و أبو الجنوب ضعيف”. وأورده صاحب “الهداية” بلفظ: “ إنما بذلوا الجزية، لتكون دماؤهم كدمائنا ، و أموالهم كأموالنا”. و هو مما لا أصل له، كما ذكرته في “ إرواء الغليل” (1251).

تعليق العلامة الألباني رحمه الله على الحديث المشهور على ألسنة الكثير من أدعياء العلم في تبرير دعوتهم للمساواة في حقوق المواطنة بين الجميع. والإسلام وإن أقر العدل مع الجميع حتى لو كانوا كفاراً محاربين، كما نصت على ذلك النصوص الشرعية. لكن النصوص أيضاً اختصت الكفار ساكني دار الإسلام (أهل الذمة) ببعض الأحكام التي يختلفون فيها عن المسلمين والأخذ بمبدأ المواطنة يعني إهدار تلك الأحكام، وبمقتضى ذلك يجوز لليهودي أو النصراني من ساكني دار الإسلام أن يكون ولياً لأمر المسلمين!!

______________________________________

بحث للشيخ سامي نجيب الرشيد نقلاً عن موقع جمعية الكتاب والسنة الأردنية

 

عن د. خالد صقر

باحث أكاديمي ومحاضر بجامعة ماليزيا التكنولوجية

الأوسمة: , , , , , , , , ,

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

 
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.